مسيحيو لبنان يشاركون مسلميه أداء فريضة الزكاة

الثلاثاء 2014/07/15
رمضان في لبنان يدعم قيم التعايش الراسخة بالصوم عن الخلافات

بيروت- الصراعات التي تعمل دائما على إسباغ نفسها بالأبعاد الطائفية والمذهبية من أجل تحقيق مكاسب سياسية بحتة، لم تتمكّن على شدّتها من اجتثاث روح التعاضد والتسامح من قلوب أصحاب الديانات المختلفة الذين ما فتئوا يقدمون المثال الجيّد على التعايش، خاصّة في منطقة الشرق الأوسط الساخنة على الدوام، ويعلون قيمة التكافل عملا بمقولة أنّ الدين معاملة بين البشر.

وفقا لما سبق، يبدو أن الركن الثالث من أركان الإسلام، وهو الزكاة، له ميزة خاصة في لبنان بخلاف الكثير من الدول العربية والإسلامية، حيث تجمع هذه الفريضة المسلم الملتزم دينيا مع غير الملتزم، إضافة إلى بعض المسيحيين الذين يحرصون على مشاركة مواطنيهم المسلمين في هذه الفريضة الإسلامية، التي أصبحت “عادة” بالنسبة لهم.

ففي شهر رمضان هذا العام، ورغم الأوضاع الإقتصادية الصعبة التي يمر بها لبنان، يدأب المسلمون الملتزمون وغير الملتزمين بالشعائر الدينية على تأدية فريضة زكاة أموالهم ودفعها إلى الفقراء والمحتاجين، وإلى بعض الجمعيات والمؤسسات الرسمية التي تتولى بدورها توزيعها على مستحقيها.

ويتمسك الكثير من المسلمين غير الملتزمين دينيا بفريضة الزكاة، في حين أنهم لا يؤدون الفرائض الأخرى مثل الصوم والصلاة. وهم يحرصون على أن يزكوا عن أموالهم خلال شهر رمضان كـ”فريضة دينية”، لكن أيضا كـ”عادة متوارثة” عن أهلهم.

وهذا هو حال عبلة البستاني، المسلمة اللبنانية التي تقول عن نفسها إنها غير ملتزمة دينيا “تقاعسا وخطأ”، إلا أنها تحرص بـ”قوة” على دفع زكاة أموالها للمحتاجين في شهر رمضان وفق القواعد الشرعية الإسلامية.

المسلمون والمسيحيون دأبوا على تأدية زكاة أموالهم ودفعها إلى المحتاجين

وأوضحت البستاني أنّها “تهتم بالزكاة دون غيرها من صلاة وصيام، وهذا بالطبع أمر خاطئ، إلا أنّها تشعر بفرح وسرور عارمين حين تدفع الزكاة لمن يحتاجها”. وأضافت قائلة إنّ الزكاة “عادة توارثناها عن آبائنا وأجدادنا لا يمكنني أن أتخلى عنها”، معتبرة أنها “تدخل في باب مساعدة المحتاجين وإعانتهم على مصاعب الحياة”.

ولا تختلف البستاني المسلمة عن أنطوانيت فغالي، وهي ربة منزل مسيحية، فالسيدتان تهدفان إلى مساعدة المحتاجين عبر هذه “الفريضة الدينية-الاجتماعية”، انطلاقا من شعورهما بأنّ عمل الخير في شهر رمضان له نكهة خاصة في بلد يضم أكثر من 18 طائفة إسلامية ومسيحية.

فغالي، من جهتها، التي تثُابر على دفع صدقات كثيرة خلال شهر رمضان للجمعية الخيرية الإسلامية والمسيحية “من أجل نشر ثقافة التكافل الاجتماعي وتعزيزها أكثر فأكثر، بيّنت أنّ دفع الأموال والصدقات خلال شهر رمضان “لا يجب أن يكون من باب الزكاة فحسب”، معتبرة أن “تضامن أبناء المجتمع في ما بينهم سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين هو الغاية الأسمى لأي تبرع أو مساعدة أقدمها”.

ومثل فغالي هناك العديد من المسيحيين الذين يعتبرون أن هكذا مشاركة تزيد من وحدة المجتمع اللبناني وتقرب بين المسلمين والمسيحيين، وهي بمثابة تكافل اجتماعي لمساعدة المحتاجين أكثر من كونها طقس ديني.

الشيخ زهير كبي، المدير العام لـ”صندوق الزكاة” التابع لدار الفتوى في لبنان، أكد بدوره، أنّ كثيرا من المسلمين غير الملتزمين دينيا، وبعض المسيحيين، رغم قلة عددهم، “يقدمون أموال زكاتهم وتبرعاتهم لصالح الصندوق”. وقال كبي إنّ هبات غير المسلمين لصندوق الزكاة “نادرة.. إلّا من بعض الشركات والمصارف التي تقدم مساعدات جيدة جدا خلال شهر رمضان المبارك”.

كما لفت إلى وجود الكثير من المسلمين “غير الملتزمين دينيا”، الذين يقدمون مساعدات للصندوق على سبيل أنها زكاة أموالهم أو صدقات أو تبرعات، معتبرا أنه “يجب إحياء الزكاة في قلوب المسلمين على أساس أنها فريضة وليست مجرد تبرع”.

ومن جهة أخرى، يتوجه الكثير من المزكين إلى الجمعيات الخيرية أيضا لتقديم البعض من زكاتهم وكل أنواع المعونات والمساعدات للصائمين، مثل المشاركة في إقامة موائد الإفطار الجماعية وتوزيع وجبات الإفطار على العائلات في منازلها وتوزيع الأموال والمواد الغذائية. وفي هذا السياق، يتحوّل مركز “جمعية سيدرز” الخيرية في بيروت، الذي يتلقى أموال الزكاة والتبرعات و”كفارة رمضان” من الخيريين الكثر، على سبيل المثال، إلى “خلية نحل” خلال هذا الشهر. فالعمل متواصل لتأمين موائد الإفطار الجماعية والملابس والمساعدات الغذائية، لأكبر عدد ممكن من المحتاجين، وما أكثرهم هذه الأيام بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية وكثافة اللجوء السوري.

واعتبرت سهيلة إدريس، العضو في الجمعية، أن التكافل الاجتماعي يظهر بـ”أبهى صوره” في شهر رمضان وخاصة في لبنان، مشيرة إلى أن المتبرعين للجمعية هم من بين المسلمين والمسيحيين على حدّ سواء.

رمضان مناسبة للتقارب والتسامح وإذابة الخلافات وإعلاء قيم التحابب

وأضافت إدريس قائلة: “الكثير من المسيحيين اللبنانيين يقدمون أموالا ومساعدات عينية كبيرة جدا لكي يتمّ توزيعها على الفقراء والمحتاجين واستخدامها في إقامة موائد الإفطار الجماعية”، لافتة إلى أن “سيدرز” تقيم هذا العام إفطارين جماعيين يوميا في بيروت لأكثر من 750 صائم “بتمويل من قبل المسلمين والمسيحيين”.

وأشارت كذلك إلى أن عددا من الشبان المسيحيين يساند الشبان المسلمين يوميا في التحضير للإفطار الجماعي، منهم مهندس الديكور دوري أبو خليل، وهو شاب لبناني مسيحي، ساهم هذا العام بتصميم الخيمتين الرمضانيتين، ويعمل بشكل يومي في تأمين طعام الإفطار للصائمين.

أبو خليل قال إنّ عمله هذا يندرج تحت قاعدة أن “الدين معاملة بين البشر”، معتبرا أن صورة تكافل المسلم مع المسيحي أو المسيحي مع المسلم “هي صورة لبنان الحقيقة، على الرغم مما نشهده اليوم من تطرف هنا وهناك، لا يعبر عن حقيقة الأديان التي لا تدعو إلا إلى الحب والسلام”.

13