"مسيح النباتات" يجوب العالم للتوعية بخسائر التنوع البيئي

عالم الأشجار الإسباني كارلوس ماجدالينا يجوب العالم لاستنقاذ أنواع نباتات مهددة بالانقراض وهي مهمة يعتبرها حيوية لبقاء الجنس البشري.
الخميس 2018/04/26
الطبيعة هي الحقيقة

مدريد - في فيلم وثائقي عن حديقة كيو الملكية للنباتات، أطلق محب الطبيعة ديفيد اتنبروغ، عليه لقب “مسيح النباتات المخلص”، ومنذ ذلك الحين، أصبح الإسباني كارلوس ماجدالينا، معروفا بهذا اللقب، بل وأكثر من ذلك، اتخذ من لقبه عنوانا للكتاب الذي نشره مؤخرا عن دار “ديستينو” الإسبانية للنشر.

يعمل ماجدالينا، وهو من مواليد 1972، في مدينة خيخون، بإقليم أستورياس، شمال غرب إسبانيا، عالم دراسة أشجار في حديقة كيو، ويجوب العالم محاولا استنقاذ أنواع نباتات مهددة بخطر، وهي مهمة شاقة، وأحيانا مخيبة للآمال، إلا أنه يعتبرها حيوية ليس بالنسبة للنبات فحسب، بل لبقاء الجنس البشري أيضا.

ويوضح عالم الأشجار الإسباني أن فكرة نشر الكتاب نشأت من الحاجة للتوعية بأبعاد خسائر التنوع البيئي، وخاصة النباتي وبوتيرة متسارعة للغاية.

كان ماجدالينا يمزج في حديثه الحماسي بين الإسبانية والإنكليزية اللغة الأصلية التي كتب بها كتابه في البداية “مسيح النباتات”.

يؤكد عالم الأشجار الإسباني، “إن الموضوع ليس نخبويا فقط، أو يتعلق بفكرة الإيثار فحسب، بل بشكل براغماتي جدا، عندما ندرك القوة الكامنة في النباتات، والمنافع الجمّة التي يحصل عليها البشر منها، الغذاء والأدوية وأمن المناخ وحماية الخدمات البيئية وحماية التربة من التفتت والنحر”، مضيفا، “الخلاصة، نحن كمن يطلق الرصاص على ساقه”، في إشارة إلى مستوى استجابة المجتمع السلبي، بالرغم من التحذيرات المتلاحقة. كما يعتبر الكتاب نوعا من التكريم لوالديه أيضا، وخاصة والدته، لعشقهما للنباتات، وحرصهما على أن يترعرع وسط العديد منها في مسقط رأسه بإقليم أستورياس الإسباني. من خلال الكتاب يكرم ماجدالينا أيضا علماء ومحبين للطبيعة أثّروا في حياته، ومن بينهم فيلكس رودريغث دي لا فوينتي (إسبانيا)، واتنبروغ (إنكلترا) وجين جودال وجاك كوستو (فرنسا).

على ذكر هذه الشخصيات الهامة من محبي الطبيعة، يرى ماجدالينا بأسى أن هناك فجوة بين الأجيال، ولهذا فكر في أهمية نشر مؤلف توعوي وفي نفس الوقت يمكن قراءته كعمل روائي، لعله يكون ملهما لأحد الشباب، فيتخصص في مجال دراسة الأشجار؛ وأن يكون عملا مفيدا في التوعية المجتمعية، دون أن يكون “مجرد خطب ومواعظ”، على الرغم من أن عنوان الكتاب هو “المسيح مخلص النباتات”، يعلق ماجدالينا مبتسما.

يوضح عالم الأشجار الإسباني أن هناك رسالتين حول دمار البيئة، واحدة من هؤلاء الذين ينظرون للوضع مستسلمين، إلا أنهم يقررون المضيّ قُدما لأنهم يرون أن القضية بلا حل، وهؤلاء الذين ينادون بغزو المريخ عندما تتغير الأرض وتصبح غير صالحة للحياة عليها.

ويؤكد أنه نظرا لأن الاحتباس الحراري أدى إلى عدم استقرار الطقس، أصبح الحل هو الرحيل عن الأرض إلى كوكب آخر تقلّ درجة الحرارة فيه عن 32 درجة، لكن علميّا حتى الآن لا يزال العلم عاجزا عن توفير حلول لمشكلات مثل معدلات ثاني أكسيد الكربون وتوافر هواء نظيف ومياه صالحة خارج كوكب الأرض.

النباتات هي الكائنات الوحيدة القادرة على إنتاج الطاقة وتخزينها وتحويلها إلى مواد أخرى دون إخراج عادم، على العكس تمتص العوادم، وخاصة ثاني أكسيد الكربون

ومع ذلك يعرب ماجدالينا عن ثقته في قدرة التكنولوجيا على تمكين البشرية من تجاوز الوضع الراهن، “التكنولوجيا ساعدتنا منذ سنوات على التغلب على الكثير من المعوقات، ولكننا لا نستغل منجزاتها”، محذرا “يجب علينا جميعا أن نتوقف لنتأمل، وندرك أن التوجه الذي نتعامل به مع مشاكل البيئة غير موفق، ومن هنا تأتي صعوبة قيام المجتمع بتبني أهدافه”.

وبالفعل يأسف لأن القضايا الدولية المثارة حاليا تتمحور حول “البريكست، انفصال كتالونيا، إدارة دونالد ترامب، ومن سيدفع كلفة الجدار العازل بين الولايات المتحدة والمكسيك”، موضحا “حتى لو بدا غير منطقي تأكيد أن هذه القضايا لا أهمية لها، مقارنة بمشكلة حقيقية تهدد البشرية بالفعل.هذه المناقشات الدائرة على الساحة الدولية، أشبه بثرثرة جارات في ما بينهنّ، وستذهب أدراج الرياح، حينما نتأمل تأثير الاحتباس الحراري، ومدى تأثيره الممتد لسنوات طويلة بصورة سوف تغيّر شكل الحياة على وجه الأرض”.

كما يضيف أن النباتات هي أفضل ماكينات في العالم، والوحيدة التي يمكن أن تحلّ المشكلة بالفعل، لأنها تعادل المناخ، وهذا ما فعلته على مدار الملايين من السنين.

يقول، “الأرض لم تكن لتحتوى على أوكسجين لولا النباتات، ولامتلأ الغلاف الجوي بثاني أكسيد الكربون لو لم تمتصه النباتات التي تخرج لنا الأوكسجين”.

ويتابع “النباتات هي الكائنات الوحيدة القادرة على إنتاج الطاقة وتخزينها وتحويلها إلى مواد أخرى دون إخراج عادم، على العكس تمتص العوادم، وخاصة ثاني أكسيد الكربون”.

يؤكد ماجدالينا أيضا أن العالم يدور في فلك النباتات، فلو توقفت زراعة محصول القمح في سيبيريا، فإن الأسواق العالمية سوف تتأثر، وقد تحدث مجاعات بسبب ذلك. وعلى مر التاريخ كان الإنتاج الزراعي العمود الفقري للاقتصاد، وتضرره قد يؤدي لحدوث كوارث عالمية سياسية واقتصادية.

“كان غاندي يقول: هذا الكوكب لديه كل ما نحتاج إليه، ولكن بسبب الجشع لن يتبقى منه شيء. ومن ثم إذا أحسنا إدارة الموارد، فإن حياتنا سوف تمضي دون أي تأثير كبير. الأوكسجين مجاني، بالرغم من أنه محرك الاقتصاد”.

ويوضح أيضا، “لقد تجاهلنا أمرين هامين: أن الجنس البشري عاش دائما في جماعات، وأن هذه الجماعات تواصلت وتداخلت مع الأنواع الأخرى. إلا أن هذين الأمرين في الوقت الراهن، يغيبان عن عقولنا تماما. كل منّا يعيش في فقاعته المعزولة: كل منّا يسير في الشارع فقاعة إلى جانب الفقاعات الأخرى”.

“ذات مرة قال لي أحدهم أنني أعاني من عقدة بيتر بان، لأنني كرّست حياتي للطبيعة وأعيش محاطا بنباتاتها. فكرت في الأمر قليلا، ثم قلت لنفسي “لا.

الطبيعة هي الحقيقة، ولا يوجد شيء آخر حقيقي أكثر منها. كل ما عدا الطبيعة زيف مدعى من صنع الإنسان. قد يكون خيرا أو شرا، إلا أن الطبيعة تحكمها قوانين غير قابلة للتغيير ولا تتحول”. يؤكد ماجدالينا “الطبيعة أداة لصحتك العقلية، عنصر موجود، غير قابل للتغيير، لا يمكنك المجادلة معه: إذا رميت التفاحة، فإنها تقع على الأرض. قد تعطيك بعض القيم الصلبة للتشبث”.

20