مسيرة إسقاط رئيس الوزراء العراقي تبدأ بتقييد حركته نحو الإصلاح

عملية الإصلاح التي أعطت بارقة أمل للعراقيين في إنقاذ بلدهم من شبح الإفلاس والانهيار، تصطدم مجدّدا بنفوذ شخصيات مورّطة في الفساد وما تزال تمتلك من السلطة والنفوذ ما يتيح لها تعطيل أي إصلاحات تهدد مكانتها ومصالحها.
الثلاثاء 2015/11/03
العبادي قد يسقط بنيران صديقة

بغداد - صوّت البرلمان العراقي أمس لصالح منع الحكومة من إقرار إصلاحات مهمة دون موافقته في إجراء اعتبره مراقبون خطوة باتجاه سحب الثقة من رئيس الوزراء تمهيدا لإسقاطه، بعد أن أصبحت خطواته الإصلاحية تهدّد مصالح شخصيات نافذة متورّطة في الفساد ومطلوبة للمحاسبة على أوسع نطاق.

ومن هذه الزاوية أكّد هؤلاء وجود خلفيات سياسية وراء هذا الإجراء التشريعي، مشيرين إلى الخلافات المتصاعدة بين العبادي وسلفه نوري المالكي الذي قضى على رأس الحكومة ثماني سنوات بين 2006 و2014 كان لها أسوأ الأثر على العراق في مختلف الصعد بدءا بتفكك لحمته الاجتماعية واستشراء الطائفية بين مكوناته وشيوع الفساد في مؤسساته، ووصولا إلى انهيار مؤسسته الأمنية والعسكرية ما فتح أراضيه أمام تنظيم داعش لاحتلال أجزاء واسعة منها.

وعلى هذه الخلفية أصبح المالكي بمثابة ممثل لطبقة سياسية فاسدة ومطلوب محاسبتها ضمن عملية الإصلاح التي بدأها حيدر العبادي بدعم من المرجعية الشيعية العليا التي يمثلها علي السيستاني.

لكن المفارقة تكمن في أن المالكي يحظى بنفوذ سياسي واسع يجعل له حصانة ضدّ إصلاحات خلفه العبادي، فهو أمين عام حزب الدعوة الذي ينتمي إليه العبادي نفسه، وهو قيادي في كتلة دولة القانون التي تضم الحزب ذاته وتمتلك عددا هاما من المقاعد في البرلمان وقادرة على إبرام تفاهمات داخله ضدّ أي إجراء تتخذه الحكومة ولا يكون في مصلحة نوري المالكي وهو ما حدث في إجراء الأمس.

وتتجاوز عملية الإصلاح في العراق كونها مجرّد خيار، إلى كونها ضرورة لاستمرار الدولة ودرء الانهيار عنها نظرا لحالة الإفلاس التي تواجهها بفعل التراجع الكبير في أسعار النفط في مقابل ارتفاع تكاليف الحرب ضد تنظيم داعش وغلاء فاتورة الرواتب بسبب التكدّس الكبير للموظفين في القطاع العمومي، فضلا عن الهدر الكبير لموارد الدولة بفعل استشراء الفساد وشيوعه على نطاق واسع.

ودون إصلاح يستحيل على حيدر العبادي الاستمرار في منصبه بعد أن رفع سقف توقعات الشارع الذي لن يتأخر في تسليط ضغط كبير عليه في حال تراجع عن إصلاحاته واستجاب لضغوط “عائلته” السياسية.

واثق الهاشمي: وضع البرلمان المكابح لسلطة العبادي ينذر بمواجهة وشيكة

واتخذ مجلس النواب العراقي هذه الخطوة بعد أن أعلن العبادي من جانب واحد عن إصلاحات في أغسطس الماضي اعتبرها البرلمان انتهاكا للدستور بما في ذلك إقالة نواب الرئيس ورئيس الوزراء وخفض رواتب موظفي الحكومة. وقال نائب لوكالة رويترز “استنادا إلى هذا القرار لن تكون هناك صلاحيات مطلقة لرئيس الوزراء”.

وكان أكثر من 60 عضوا في ائتلاف دولة القانون الحاكم قد هددوا الأسبوع الماضي بسحب دعم البرلمان لإصلاحات العبادي.وقال واثق الهاشمي رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية، وهي مؤسسة بحثية، إن وضع البرلمان “المكابح” لسلطة العبادي ينذر بمواجهة وشيكة. وأضاف “السؤال سيكون هل سيصمد العبادي؟ أعتقد أن تحرك البرلمان اليوم هو لجس النبض. السيناريو القادم على الأرجح سيكون سحب الثقة من العبادي”.

وتابع أن الاعتراضات البرلمانية المتزايدة على زعامة العبادي والنقص الحاد في السيولة المالية سيدفعان رئيس الوزراء في نهاية المطاف إلى الدخول في “مواجهة مباشرة مع حزبه”.

وكان الكسب غير المشروع وتردي الحالة المعنوية في صفوف القوات المسلحة سببين مهمين في اجتياح مقاتلي تنظيم داعش لشمال العراق العام الماضي دون مقاومة تذكر ومن ثم سيطرتهم على نحو ثلث أراضي العراق.

ويؤجج التنظيم المتشدد الذي يسيطر أيضا على أجزاء كبيرة من سوريا حربا أهلية طائفية في أنحاء من العراق.

ونفذت بعض الإصلاحات التي أعلنها العبادي فيما تعثرت أخرى من بينها إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة حيث مايزال هؤلاء النواب في مناصبهم.

وكان ينظر إلى العبادي عند توليه السلطة في سبتمبر 2014 على أنه شخصية توافقية يمكنها معالجة الانقسامات بين الشيعة والسنة والأكراد والتي تفاقمت خلال فترة تولي المالكي المنصب.

لكن مسؤولين بارزين قالوا إنه لم يتم التشاور معهم بشأن إصلاحات العبادي وإنهم كانوا يعلمون بها من خلال وسائل الإعلام في بعض الأحيان.

وقال نائب آخر “البرلمان يرفض أن تقوم أي جهة ومن ضمنها الحكومة بالتجاوز على صلاحياته. لقد تم تمرير القرار بالإجماع وينص على أنه لاتخاذ أي قرار يجب الحصول على موافقة البرلمان”.

وعلى غرار أغلب الشؤون العراقية، فإن الصراع الدائر حول عملية الإصلاح لا ينفصل عن حسابات إقليمية، حيث أن رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي موضع ريبة وشكّ من قبل إيران صاحبة النفوذ الكبير في العراق، مخافة أن تمسّ إصلاحاته بجوهر حكم الأحزاب الشيعية، وبسبب رغبته في إحداث توازن في علاقات بلاده بمختلف دول المنطقة، بما في ذلك دول الخليج بينما خصمه نوري المالكي موضع ثقة طهران كحارس لحكم تلك الأحزاب وكمناهض لمصالحة العراق مع محيطه الإقليمي.

3