مسيرة الألف ميل مع موستافي

الأحد 2016/10/09

منذ قرون خلت برز فيسلوف صيني حكيم يدعى لاو تسو، هذا الفيلسوف ترك إرثا إنسانيا عريقا وصار لدى أبناء موطنه ملهما وقدوة، فكلامه “لا يسقط إلى الأرض”، وكل العبارات التي تصدر عنه هي “درر”، أما أكثرها تأثيرا وخلودا هي تلك المقولة الشهيرة التي باتت شعارا ومبدأ لدى كل مجتهد مثابر وصابر.

لاو تسو قال “مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة”، قول خالد سار عليه الكثيرون وصار أفضل تعبير عمّن واجه الصعاب والمتاعب، لكنه في نهاية المطاف حقق هدفه ونال مراده.

ربما هذه الحكمة تنطبق على الكثير من اللاعبين البارعين والبارزين والناجحين في العالم، ومن بينهم لاعب رائع قد لا يعرفه الكثيرون، لأنه ليس من نجوم الصف الأول، لكنه سيكون له شأن كبير في القريب العاجل.

إنه المدافع الألماني لنادي أرسنال الإنكليزي شكودران موستافي الذي دخل حديقة النجوم من الباب الكبير، لكن بخطى واثقة وهادئة ودون ضجيج كبير، صار اليوم أحد أفضل المدافعين في العالم، وهو مصدر سعادة أرسين فينغر مدرب أرسنال الذي قال في حديثه عن اللاعب، إنه المدافع الذي أنتظر قدومه منذ زمان بعيد.

حكمة الفيلسوف الصيني الحكيم تنطبق بكل تفاصيلها ورموزها وتجلياتها على هذا اللاعب الألماني الخجول والمجتهد منذ نعومه أظافره.

موستافي الألباني الأصل اكتشف كنه كرة القدم وأحبها في نادي مغمور ومجهول، ففي سن مبكرة للغاية لم تكن الطريق مفروشة بالورود، حيث التحق بنادي روتنبورغ الألماني لتبدأ المسيرة الطويلة، عمل بجهد كبير وصبر طويلا، ثم برز فجأة مع هذا النادي بما أنه سجّل له العديد من الأهداف وكان أحد أفضل عناصر هذا النادي الناشط في بطولة الهواة.

سارت الأمور بشكل إيجابي في بداية رحلة الألف ميل، حيث حرص أن تكون خطوته الثانية ثابتة ومدروسة، لقد قرر موستافي المغمور أن يجري سلسة اختبارات مع بعض الأندية الألمانية العريقة مثل بايرن ميونيخ وفرانكفورت وفيردر بريمن وهامبورغ، وكانت النتائج رائعة ومميزة، لقد نجح في كل الاختبارات وكان قادرا على اللعب مع البايرن واختصار طريق الشهرة والنجاح.

بيد أن علامات حكمة لاو تسو ظهرت لديه مبكرا، حيث ارتأى عدم المجازفة وركوب الخطر، لأنه أدرك أنه قد يفشل مع الفريق البافاري وهو الطفل الخجول والمغمور، فقرر أن تكون خطوته التالية مع هامبورغ، ففي ذلك الفريق ستكون أعين المراقبين والملاحقين قليلة، لتتواصل المسيرة بخطى واثقة.

لم يعمّر موستافي طويلا في فريقه الألماني، بل خيّر أن يواصل الاعتماد على حكمة الفيلسوف الصيني بحذافيرها، والخطوة التالية هي خوض تجربة ثرية ومختلفة تماما خارج الديار الألمانية، فانتقل إلى دوري الأضواء والشهرة والعراقة، إنه الدوري الإنكليزي، لكن دخول عالم الشهرة يجب، وفق نظرية الحكيم، أن يكون دون وجع في الرأس ودون أي ضغط، فاختار اللعب مع نادي إيفرتون الذي لا يقارن من حيث الشعبية والشهرة مع بقية الفرق المعروفة في إنكلترا.

ورغم أن التجربة لم تكن ناجحة بشكل كبير بما أنه لم يخض العديد من المباريات مع الفريق الأول، إلاّ أن بعض الأطراف المؤثرة في النادي الإنكليزي حاولت الإبقاء عليه ومنحه الفرصة كاملة، لكن اللاعب الألماني أراد أن يطوّر مواهبه ويكتشف عوالم جديدة، ويختبر قدراته الدفاعية في دوري إيطالي قوي للغاية يستمد هذه القوة من الصلابة الدفاعية اللافتة.

كان له ما أراد ووقع لنادي سامبدوريا، لقد أراد أن تكون خطوته هذه محسوبة بدقة، فلم يختر فريقا ينافس على النزول أو فريقا ينافس على البطولات وتسلّط عليه الأضواء باستمرار، لقد أراد ببساطة أن يلعب باستمرار ودون توقف حتى يكون الاختبار مكتمل الشروط والأركان، وتكون الخطوة الجديدة في مسيرة الألف ميل موفّقة.

نجح وبرع وانتزع الإعجاب وكان مثالا للمدافع الرصين إلى درجة أن البعض أطلق عليه اسم “الحكيم”، نجاح لافت كان جزاؤه الظهور عن جدارة ضمن منتخب ألمانيا الأول بعد أن لعب سابقا مع منتخبات الشباب، وهذه خطوة أخرى محسوبة ومدروسة من قبل الحكيم موستافي. وبما أن هذه المسيرة يجب أن تشمل أغلب الدوريات القوية في أوروبا، كانت وجهته التالية الدوري الأسباني المثير والشهير بوجود ناديي ريال مدريد وبرشلونة وأيضا فالنسيا الذي يبدو من الفرق القادرة على منح الفرصة والثقة المطلقة لموستافي، وكان له أيضا ما أراد بما أنه أصبح من العناصر الثابتة والركائز الدائمة في الفريق رغم المشاكل التي عانى منها فالنسيا من حيث الأداء والنتائج.

كان بشهادة الجميع سواء في أسبانيا أو ألمانيا مدافعا رائعا وصلبا، وكان دوما أحد أفضل لاعبي الفريق على امتداد موسمين قدم خلالهما الحكيم الألباني الأصل مستوى رائعا، الأمر الذي جعله يفكر في الخطوة الجديدة القادمة.

الخطوة جديدة، وهي ليست الأخيرة بلا شك، قادته مجددا إلى دوري إنكلترا الذي لم يحقّق فيه خلال تجربته الأولى النجاح الساحق، لكن هذه المرة عاد أكثر قوة وخبرة وحكمة، عاد من بوابة “الغانرز″ أي أرسنال الذي استقبله بالورود.

“واثق الخطوة يمشي ملكا” هكذا كانت بداية المدافع الألماني مع أرسنال في موسمه الأول، حيث بات منذ يومه الأول لاعبا أساسيا ونجما من نجوم الفريق، والأمر المؤكد أن المبلغ الكبير الذي دفعه النادي للتعاقد معه، قد لا يساوي شيئا أمام عبقرية موستافي الذي جسد ببراعة وإتقان تام مقولة الفيلسوف الصيني لاو تسو.

مسيرة الألف ميل لن تنتهي قريبا، بما أن موستافي لم يتجاوز بعد الرابعة والعشرين ربيعا، فمن يدري أين ستكون الخطوة التالية؟ خاصة وأن أعتى الفرق الأوروبية بدأت تفكر في التعاقد مع الحكيم.

كاتب صحافي تونسي

23