مسيرة الصين نحو العرب

الأربعاء 2014/06/25

تراقب الصين باهتمام كبير حمام الدم الجاري في العراق وسوريا مثلما يراقبه جميع العالم إذ أصبح الشرق الأوسط الكبير يحظى بتركيز أكبر من أي وقت مضى من قبل السياسة الخارجية الصينية.

في المؤتمر الوزاري السادس الذي عقد مؤخرا في إطار منتدى التعاون الصيني العربي في بكين، دعا الرئيس الصيني شي ينبينغ نظراءه العرب لترقية علاقاتهم الاستراتيجية مع الصين عن طريق تعميق التعاون الثنائي في مجالات تتراوح بين المالية والطاقة إلى تكنولوجيا الفضاء. وهذا يعكس الهدف الأشمل لدى الصين المتمثل في تعديل اهتمامها الاستراتيجي غربا مع التركيز على العالم العربي.

المؤكّد أن العلاقات الاقتصادية بين الصين والبلدان العربية ازدادت قوة خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث تطور حجم التجارة من 25.5 مليار دولار سنة 2004 إلى 238 مليار دولار سنة 2013. والصين الآن تحتل المرتبة الثانية من ناحية حجم المبادلات التجارية مع البلدان العربية، وهي أكبر شريك تجاري بالنسبة إلى تسعة بلدان عربية. وفي غضون عشر سنوات يتوقع أن يصل حجم التجارة الصينية العربية إلى 600 مليار دولار. كما ساهمت العقود في الهندسة والاستثمارات في تعزيز هذه العلاقات.

وتسعى الصين تحت قيادة شي إلى إعادة تشكيل علاقاتها مع البلدان العربية حسب البنية الاستراتيجية المسماة “السير غربا”. ومن أبرز مكونات هذه الاستراتيجية نجد “حزام طريق الحرير الاقتصادي”، وهو حزام يمتد على طول طريق الحرير القديم الذي يمر عبر آسيا الوسطى وطريق الحرير البحري الحديث، وهي مبادرة روج لها شي كثيرا في الاجتماع الأخير في بيكين.

ويبرز هذا المجهود الهدف الصيني المتمثل في تكوين علاقات "المحور والأضلاع" مع أهم الاقتصادات النامية من حولها. ولتحقيق هذه الغاية اقترح رئيس الوزراء لي كاكيانغ ممرا اقتصاديا يربط الصين بباكستان، كما تحدث عن ممر آخر يعبر بنغلادش والهند وميانمار.

ومن الطبيعي أن تكون الطاقة العامل الأساس في الروابط الاقتصادية مع العالم العربي، ناهيك أن صادرات الصين من النفط الخام من البلدان العربية نمت بنسبة تتجاوز 12 بالمائة في المتوسط سنويا في الفترة الممتدة بين 2004 و2013 إلى أن بلغت 133 مليون طن في السنة. وتصب استراتيجية “السير غربا” في اتجاه دعم هدف الصين في تأمين الوصول إلى هذه الموارد خاصة وأن الصين – حسب تقديرات لي واي مدير مركز البحث التنموي لمجلس الدولة – من المتوقع أن تستهلك 800 مليون طن من النفط سنويا وتستورد 75 بالمائة من نفطها بحلول عام 2030. وحسب هذا الاتجاه يتناقض مسار الصين تماما مع مسار الولايات المتحدة التي تقترب كثيرا من تحقيق الاستقلالية في مجال الطاقة وذلك بفضل ارتفاع إنتاج النفط والغاز الصخريين بالإضافة إلى إجراءات الاقتصاد في الطاقة – وهي مسألة ركز عليها باراك أوباما في آخر خطاب له أمام الأمة. وفي الواقع وحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، تجاوزت الصين في بداية هذا العام الولايات المتحدة باعتبارها أكبر مستورد للنفط.

زيادة على ذلك تقوم الولايات المتحدة بالانفصال الاستراتيجي التدريجي عن الشرق الأوسط الكبير مما يخلق فراغا تسعى الصين إلى سده. وحتى تنجح الصين في ذلك تحتاج إلى الاهتمام أكثر بالديناميات المعقدة في المنطقة، وإيجاد طرق مبتكرة للمشاركة في جهود حل النزاعات، والتجاوب بحماس مع رغبة الشرق الأوسط المتزايدة للوصل مع آسيا.

وعند القيام بذلك سيتمكن زعماء الصين من تعزيز هدفهم المتمثل في تطوير الأقاليم الصينية الداخلية الكبرى، فمثلا يمكن للمقاطعات الغربية مثل نينغشيا وكينغاي أن تستفيد من ربط علاقات أوثق مع الاقتصادات العربية نظرا لاحتوائها على مجتمعات مسلمة مهمة.

زيادة على ذلك من شأن نفوذ مدعم لدى الصين في العالم العربي أن يعزز النظرة إليها على أنها زعيمة العالم النامي، وهو موقع يمكن أن يزيد في متانة الصين الاقتصادية بشكل كبير. بالنسبة إلى المبتدئين ستتمكن الصين من استثمار الطفرة السكانية في العالم النامي الذي سيأوي 80 بالمئة من سكان العالم مع سنة 2020، أما في الاقتصادات النامية ستزيد الصين من أرباحها القصوى من التجارة الناشئة التي ارتفعت من 8 بالمئة من التجارة العالمية سنة 1990 إلى 24 بالمئة سنة 2011.

ومن المؤكد ألا تكون كل الحكومات العربية مرحبة بالصين ترحيبا حارا إذ هناك بالفعل عدة دول فاعلة في الشرق الأوسط بما فيها تركيا والعربية السعودية مرتابة في نوايا الصين على المدى البعيد. لكن بإمكان الصين اتخاذ خطوات لكسب ثقة هذه البلدان، فمثلا يجب على الزعماء الصينيين العمل على تسوية التململ في مقاطعة شينيانغ ذات الغالبية السكانية المسلمة بشكل أنجع.

من الواضح أن وزن الصين المتزايد لم يعد مقتصرا على آسيا، إذ أن استراتيجيا السير غربا التي تتبعها في العالم العربي هي مجهود جريء لترجمة قوتها الاقتصادية إلى نفوذ إقليمي – وفي آخر المطاف – نفوذ عالمي. صحيح أن هذه المهمة صعبة لكنها ستساعد على تأمين مستقبل الصين على المدى البعيد وربما تكسبها وزنا أكبر في إيجاد حلول لتحديات المنطقة الكبرى.

7