مسيرة العدالة ضد "حزب العدالة"

الثلاثاء 2017/07/11

مسيرة العدالة التي بدأها الحزب الجمهوري التركي من أنقرة، وصولا إلى إسطنبول، تمثل واحدة من أهم التجمعات الاحتجاجية منذ أن أطاح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بكافة الاعتصامات المدنية والتحركات الحقوقية تحت مقولة “مقاومة الانقلاب”.

أكّد أردوغان للقريب قبل البعيد أنه لا يختلف تقريبا في شيء عن مهندسي الانقلاب المزعوم، فكلاهما يمثلان تهديدا خطيرا وحقيقيا حيا لمدنية الدولة، واستهدافا في الصميم للفضاء العام في سياقاته التعددية والديمقراطية، واستنزافا لحرية الإعلام والعمل السياسي المعارض.

وعوضا عن تمثل أردوغان للمخاوف التي تملكت الشارع التركي إزاء سلطة الفرد المتجسدة في انقلاباته الناعمة والمباشرة على كافة أصدقاء الأمس، انطلاقا من نجم الدين أربكان، مرورا برفيق الأمس عبدالله غول، وصديق البارحة أحمد داوود أوغلو وليس انتهاء بحمامة العدالة والتنمية علي باباجان، اختار أردوغان تجيير هذه التخوفات لبسط نفوذه على مفاصل الدولة التركية متحوّلا من سلطة الفرد، إلى “الفرد السلطة”.

لم يكن استفتاء السلطنة الأخير، في عمقه إلا انتكاسة في التصور السياسي لدولة مدنية تروم الانضمام إلى النادي الأوروبي والالتحاق بركب الدول المتقدمة، فإذا بأوهام السلطنة وأحلام العثمنة ترمي بالدولة التركية إلى غياهب التاريخ وهوامش الجغرافيا، حيث يستحيل الفرد محور السلطة ومركز تقلباتها بين رئاسة الوزراء تارة ورئاسة الدولة تارة أخرى.

كان من الصعب على مجتمع تركي عرف المدنية والتمدن، أن يتطبع مع هذا الانقلاب الجمهوري الناعم الذي يقوده أردوغان.

تقريبا كل الانتقالات الديمقراطية كانت من النظام الفردي (الرئاسي أو الملكي) إلى النظام التشاركي (البرلماني، الملكي الدستوري)، وتقريبا أيضا كل الانتكاسات الديمقراطية وغالبية الانتقالات الدكتاتورية كانت من الأنظمة شبه التشاركية إلى الأنظمة الفردانية.

وغالبية الانتقالات نحو الدكتاتورية والاستبداد كانت مبصومة أيضا برباعية “التحركات الجماهيرية في مقابل تسليط العقوبات على التجمعات المقابلة، والدعاية الإعلامية في مقابل تكميم الأفواه، والتغيير الهادئ للقوانين والأطر التشريعية، ملاحقة الناشطين السياسيين والمثقفين والجامعيين في مقابل النفخ في صورة وصوت الأوركسترا الدعائيّ لمثقفي النظام.

تندرج مسيرة العدالة في سياق عودة الروح إلى الشارع التركي الذي يخيل للفاعل الرسمي أنه بات مطواعا لفعل تحويل تركيا إلى سجن تطوقه الطغمة الحاكمة في أنقرة وكالة وفي إسطنبول أصالة.

تسقط الأردوغانية تباعا في الخارج وفي الداخل، يُسقطُ أكراد سوريا والعراق حلمه بالتوسّع جنوبا إلى محافظة حلب وشرقا نحو الموصل استدرارا لخارطة جديدة تشطب خارطة لوزان لسنة 1923، فيما تجهز الدولة السورية وحليفتها روسيا على بيادقه المتربصين بدمشق وريفها، كما أنّ أخبار تحرير بنغازي وتقدّم الجيش الليبي في بنغازي وأماكن عديدة في الجغرافيا الليبية تشي بتلاشي أيديولوجيا التتريك وديماغوجيا العثمنة. كما أنّ تعقّد الأزمة الأرمنية ومعضلة الإشكال القبرصي والعفريت الكردي المتأهب جنوب شرق الأناضول، تشير إلى استحالة ترويج الأردوغاني بنموذج قيادي في المنطقة العربيّة والإسلامية، إلا إذا كان على سبيل نموذج السقوط بعد الارتقاء والتلاشي بعد الصعود.

جزء من الأزمة السياسية التركية يعود أيضا إلى المعارضة التركية المتلاشية والضعيفة والمتحاربة ضد بعضها البعض، يكفي أنها لم تتحرك بالصورة المطلوبة تنديدا بسجن زعيم المعارضة الكردية صلاح الدين ديمرداش وعدد من النواب المتمتعين بالحصانة النيابية للتدليل على حجم الهوة الحاصلة بين الفرقاء السياسيين، والتي وظفها أردوغان جيدا لتأمين الغالبية الاقتراعية في معظم الاستحقاقات الانتخابية.

ذلك أن الكثير من الأصوات تذهب دفاعا عن المشروع المقدم، والعديد من الأصوات الأخرى تذهب لصالح الفاعل الرسمي عقابا للمعارضة الفاشلة في صناعة الأمل وتقديم البدائل.

مسيرة العدالة قد تكون البداية في مسيرة تجميع الفرقاء الأتراك الذين حاربوا بعضهم بالديمقراطية، أكثر من حربهم لأردوغان ضد الاستبداد، وتكون الرسالة التي لا بد أن تصل إلى “نصف الرئيس نصف السلطان” المتربع على عرش تركيا المترامي والمتهاوي بين إسطنبول وأنقرة، بأنّ مسيرة العدالة فيها من عدالة المسير نحو الحرية والديمقراطية الكثير والكثير.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9