مسيرة على مقاس الزعيم

مسيرة النهضة انتهت ولم يبق منها إلا الصور لكنها فتحت الشارع لكل الاحتمالات وبإمكان القوى الأخرى أن تخرج إلى الشارع حتى وإن لم يكن لديها نفس إمكانيات الإخوان في التمويل والشحن العقائدي.
الاثنين 2021/03/01
تجارة خاسرة

مسيرة حركة النهضة وسط العاصمة التونسية يوم السبت كانت تجارة خاسرة بكل المقاييس، إلا إذا فصلناها عن الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي العام للبلاد ووضعناها في إطار المجتمع الموازي الذي تسعى الحركة إلى تكريسه.

عندما نتحدث عن حزب سياسي عقائدي يتزعّم الحكم أو يشارك فيه منذ عشر سنوات، فذلك يعني أنه بمنطق الحسابات البسيطة أن يكون قادرا على تحشيد عشرات الآلاف من الأنصار والمتعاطفين في إقليم العاصمة وحده كونه أكبر تجمّع سكاني يضم ما لا يقل عن مليونين و500 ألف نسمة، ولا يحتاج بالتالي إلى حملات مكلفة لاستجلاب متظاهرين من مختلف أنحاء البلاد بما في ذلك المناطق البعيدة النائية.

ولا شك في أن الحديث عن مشاركة 50 ألف تونسي في المسيرة هو جزء من الدعاية الإعلامية لا غير، ولكن حتى وإن اعتبرناه رقما صحيحا، وهذا من رابع المستحيلات، فإنه لا يمثل إلا جزءا من الخزان الانتخابي القار لدى الحركة التي خصصت المئات من الحافلات ومن سيارات الأجرة والنقل الريفي لنقل المتظاهرين إلى تونس العاصمة، إضافة إلى المستفيدين من موقعها في السلطة والساعين إلى التودد إليها دون قناعات عقائدية.

خرج رئيس الحركة راشد الغنوشي ليتحدث إلى مناصريه بخطاب يستجدي من خلاله حب التونسيين ويدعو فيه خصومه للحوار، كان هدفه أن يبلغ رسالة للخارج بأن حركته قوة ملائكية لا تعرف غير المحبة والسلام، تعترف بالجميع ولا أحد يريد الاعتراف بها، تدعو إلى الوحدة الوطنية ومع ذلك تجد نفسها معزولة في قمقمها الأيديولوجي. كانت رسالته موجهة بالخصوص إلى الشيوعيين والقوميين ربما لأنهم يلتقون مع الإخوان في العقائدية، ولكن وفق خصوصية كل طرف، وتمنى لو أن حمة الهمامي زعيم حزب العمال التحق به ليتكلم للمتظاهرين مذكرا إياه بأن اليساريين تحالفوا مع الإخوان في العام 2005 ضد نظام بن علي، كان هدفه من الدعوة والتذكير القول بأن قوى أخرى تتشكل في الساحة ليست إخوانية ولا قومية ولا شيوعية.

الغنوشي كان أكثر الناس معرفة بكيفية تنظيم المسيرة التي لم تكن تلقائية ولا عفوية، بل كانت عملية منظمة من حزب عقائدي وحاكم ولديه إمكانيات التجييش كما يحدث في الأنظمة الشمولية عموما، وهو يدرك أن النظام السابق الذي لم يكن يعترف به كان قادرا بنفس الإمكانيات على تحشيد مثل تلك الأعداد أو أكثر، ولكن لا أحد تحرك لإنقاذه حين داهمه السقوط.

تحدث الغنوشي عن الكراهية التي قال إن الشعب قد تعب منها وعن وحدة التونسيين دون أن يصارح نفسه على الأقل بهوية الواقفين وراء خطاب التكفير والتخوين والحقد الأعمى ضد دولة الاستقلال ورموزها ومنهم زعيمها التاريخي الحبيب بورقيبة، وضد فئات بعينها من المجتمع وجهات من البلاد، ومن قاد إلى محاكمة التاريخ بعين حولاء، ومن كان وراء جلب دعاة الفتنة، ووراء الزج بالدين في الصراع السياسي، ومن دفع إلى ضرب الأحزاب المنافسة وتفجيرها من الداخل كما حدث مع نداء تونس، ومن دفع بتونس إلى سياسات المحاور، ومن يحاول أن يستقوي ببعض القوى الإقليمية والدولية، ومن يدفع بجيوش إلكترونية لإعلان الحرب على كل صوت مختلف.

ظهور الغنوشي كان الهدف منه محاولة تكريس نفسه كزعيم سياسي فاعل وكقائد وطني، وكمتمسك برئاسة البرلمان إلى آخر مدى، وكحالم برئاسة البلاد، وكمحدد للخيارات العامة في تونس، وكذلك كفاعل إقليمي ودولي، حتى أن المسيرة انتظمت على قياس طموحاته، ومنها أطلق دعوته إلى وقف ما نعتها بالحرب الإعلامية والسياسية وشيطنة الخصوم رغم أنه يدرك جيدا أن تلك الشيطنة مرتبطة بالروح العقائدية للأحزاب الدينية التي تتمسكن حتى تتمكّن، وهو ما حدث في مختلف التجارب السابقة وآخرها التجربة التركية.

الغنوشي أراد كذلك أن يعيد الثقة لأنصاره بعد تأكيد نتائج كل استطلاعات الرأي على أن حركته تتراجع في الشارع وأنه الأقل شعبية عند التونسيين، ومع ذلك يصرّ على أن يكون صاحب القرار الأول ولو بمنازعة الرئيس قيس سعيد على صلاحياته ما أدخل البلاد في أزمة سياسية طاحنة.

اللافت أن حديث الغنوشي عن ضرورة التخلي عن الشيطنة تزامن مع الاعتداء على الصحافيين والتحرش بالصحافيات داخل المسيرة، كانت المشاهد التي عرضت على صفحات التواصل الاجتماعي كافية لتفضح مدى الاحتقان الذي يملأ نفوس الإخوان ضد الإعلام الذي حاولوا ولا يزالون يعملون على تدجينه منذ سنوات، فشيطنة المختلف جزء مهم من عقيدتهم والمختلف بالنسبة إليهم هو الإعلام والنقابات والمعارضة والنظام السابق والبورقيبيون والوطنيون التونسيون الرافضون للأيديولوجيات العابرة للحدود.

انتهت مسيرة النهضة ولم يبق منها إلا الصور، لكنها فتحت الشارع لكل الاحتمالات، حيث سيكون بإمكان القوى الأخرى أن تخرج إلى الشارع لتؤكد وجودها، وحتى وإن لم يكن لديها نفس إمكانيات الإخوان في التجييش والتمويل والشحن العقائدي فإنها ستعتمد على كلمة السر وهي “ضد حركة النهضة”.

8