مشاركة إعلاميي مصر في ضبط القطاع بداية للاستقلالية أم ترويج لحرية منقوصة

معيار استقلالية الهيئات الإعلامية السماح بتعدد الأصوات.
الخميس 2020/07/23
المشاهد هو الحكم

يترقب المشهد الإعلامي في مصر جملة من الضوابط الجديدة، شارك في وضعها أبناء المهنة أنفسهم، ما دفع البعض غلى التفاؤل برفع سقف الحريات وتعدد الأصوات، بينما يخشى آخرون أن تكون هذه المشاركة مجرد ترويج لحرية منقوصة.

بدأت الهيئات الإعلامية في مصر بإشراك أبناء وشيوخ المهنة في وضع ضوابط آليات للعمل الصحافي تتناسب مع متطلبات المرحلة، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ سنوات، كمحاولة لإلزام الجميع بالمعايير وعدم التمرد عليها والسير عكس الاتجاه كمدخل لتحجيم أي فوضى.

وأعلن كرم جبر رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، عن تنظيم جلسات حوارية مع إعلاميين للاتفاق حول الضوابط المطلوب اتباعها في مختلف القضايا المقبلة، وما تحتاجه الساحة الإعلامية من معايير تناسب المستجدات.

واعتاد الوسط الإعلامي تلقي الضوابط على العاملين دون مراعاة لإمكانية أن تكون مكبلة للحريات أو مانعة للتعددية والصوت المختلف، وتسبب ذلك في أن يضعف دور المنابر أو تتحول إلى نسخة مكررة لتوسيع دائرة المحظورات.

وتعني استعانة الهيئات الإعلامية بشيوخ المهنة لتحديد ضوابط معينة أنه تقرر بشكل غير مباشر تجميد العمل بالمعايير الحاكمة للأداء الإعلامي التي أصدرتها نفس الهيئات بتشكيلاتها السابقة، في مقدمة للبدء في ضبط المشهد برؤية وطريقة جديدتين.

وأوضح كرم جبر، أن الهيئات الإعلامية الجديدة لم تأت لفرض قيود، ولديها قناعة راسخة بحتمية وجود حريات وإعطاء أكبر قدر ممكن لتحقيق هذا الهدف، لأن من صميم حقوق المواطن أن يعرف، وهذه المعرفة تتحقق من خلال إعلام يمارس دوره بحرية وبشكل مهني متزن وعقلاني.

وأكد حمدي الكنيسي نقيب الإعلاميين السابق، لـ”العرب”، أن مشاركة أصوات إعلامية في ضبط المنظومة تعكس وجود نية لتغيير الفكر السائد بأن القواعد الحاكمة غير ملائمة، وأن ما يدور في الكواليس يشير إلى أن الفترة المقبلة سوف تشهد حراكا يستهدف تحقيق أعلى درجة ممكنة من المهنية الإعلامية.

وأضاف الكنيسي، وهو أيضا رئيس لجنة التطوير المؤسسي في التلفزيون الحكومي، أن الهيئات الإعلامية تتعاون فيما بينها أكثر من أي وقت مضى، ما يساعد على وضع خطط بناءة وواقعية تتناسب مع متطلبات المرحلة من خلال شيوخ المهنة ومجموعة كبيرة من الأكاديميين والخبراء المشهود لهم بالمصداقية والنزاهة.

ويرى أبناء المهنة، أن الاستماع إلى رؤيتهم في ما يحتاجه المشهد الإعلامي قد يكون بداية نحو الاستقلالية التي طالما نادوا بها، بعيدا عن وضع ضوابط في صورة قيود مجحفة تحول دون أن يُمارس الإعلامي دوره بطريقة مهنية ترضي طموحات الشارع ولا تجعل الناس يلجأون إلى المنابر الخارجية.

وقال البعض ممن تحدثت معهم “العرب”، إن الفكرة ليست في الاطلاع على وجهات نظر صحافيين وإعلاميين مشهود لهم بالنزاهة، لكن المعيار الوحيد للحكم على سعي الهيئات الجديدة لتحقيق الاستقلالية أن تطبق الضوابط التي يتم الاتفاق عليها بشكل يسمح بتعدد الأصوات وتنوعها.

وأقر هؤلاء، بأن الأهم من استفتاء آراء أبناء المهنة في المعايير والسياسة الإعلامية الجديدة أن يتم إبعاد أصحاب المصالح عن المشاركة في إبداء المشورة، فلا يُعقل اقتصار الأمر على مجموعة مذيعين وصحافيين بعضهم شريك أساسي في وصول المشهد الإعلامي إلى حالة من الفوضى وتراجع الثقة والمهنية ومقاطعة الكثير من الجمهور للإعلام المحلي والبحث عن المعلومة في منابر خارجية.

الأهم من استفتاء آراء أبناء المهنة في المعايير والسياسة الإعلامية الجديدة أن يتم إبعاد أصحاب المصالح

ويخشى إعلاميون أن يكون الهدف من الاستماع لرؤيتهم في ما تحتاجه المنظومة دعاية وإيحاء بوجود هامش من الحرية، بحيث يتم ترويج أن المعنيين بإدارة المشهد لم يتدخلوا في وضع المعايير الحاكمة، وتركوا المهمة لمن يُفترض أن يلتزموا بها، كي لا يشتكي أحد بعد ذلك من القيود.

ويبني أصحاب هذا الرأي وجهة نظرهم على أنه من المستبعد اختيار إعلاميين معارضين للسياسة الإعلامية لوضع ضوابط تحكم المشهد، لأن هؤلاء يطالبون بالحرية غير المحدودة، في حين أن هناك دوائر حكومية لا ترغب في ذلك، على الأقل خلال هذه الفترة الحرجة بسبب زيادة التحديات الداخلية والخارجية.

وتكمن أزمة الإعلام المصري في أن الكثير ممن يتصدرون المشهد يفرضون الرقابة الذاتية على أنفسهم، وهؤلاء لا يحتاجون إلى ضوابط تقيد عملهم، لأنهم يبادرون من تلقاء أنفسهم برفض التطرق إلى قضايا وموضوعات شائكة قد تضعهم في أزمة أو تعجل بإقصائهم كما حدث مع آخرين تم تغييبهم لسنوات.

وهناك شريحة ثانية من الإعلاميين لا يعيرون فكرة الضوابط اهتماما، لأنهم يتعاملون كمراكز قوى داخل المنظومة، بذريعة أنه لا يستطيع أحد الاقتراب منهم أو محاسبتهم بحكم علاقاتهم القوية بدوائر لها كلمة مسموعة في ملكية وإدارة المؤسسات الإعلامية، أيّ أن المعايير بالنسبة لهم قد تصبح حبرا على ورق.

وعندما وضعت نقابة الإعلاميين ميثاق الشرف لها قبل عامين، وتضمن مجموعة بنود كفيلة بضبط الفوضى، لم يلتزم بها أغلب من يتصدرون المشهد، وحوالي الثلثين ممن شاركوا في وضعها كانوا من أبناء المهنة، والثلث الآخر خبراء، ما يعني أن الضوابط وحدها غير كافية لإصلاح المنظومة.

وأكد مسعد صالح أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، أن الاعتماد على الضوابط وحدها لتطوير المشهد الإعلامي لن يحقق الهدف، فهناك فوضى تتطلب الصرامة والحزم وتطبيق القانون على الجميع، ويكفي أن معايير العمل تنص على حتمية أن يكون المذيع عضوا بنقابة الإعلاميين، في حين أن أغلب من يخرجون على الشاشة لا علاقة لهم بالنقابة.

وأوضح لـ”العرب”، أنه مهما بلغت نزاهة وقيمة الضوابط، فهي مهددة بالكسر والتجاوز لغياب مبدأ الثواب والعقاب، بالتالي فالمشهد الإعلامي غير مؤهل للانضباط، أو مهيأ تماما للحرية، في ظل وجود عناصر داخل تشكيلات الهيئات نفسها يصعب التزامهم بالمعايير، فهناك مذيع ضمن عضوية مجلس تنظيم الإعلام تقوم سياسة برنامجه على الخلط بين الرأي والخبر والترويج لوجهة نظر معينة أو الهجوم على المعارضين.

ويرفع نجاح الهيئات الإعلامية في وضع معايير جديدة سقف الحريات ويحظى بقبول أبناء المهنة، لكن ذلك لا يعني تطبيقها حرفيا، لأن هناك جهات نافذة تهيمن على ملكية أغلب المؤسسات اعتادت منح نفسها حق التدخل، وغير متوقع أن تكون بعيدة عن فرض سياسة إعلامية نمطية.

ويصعب تحقيق الاستقلالية الإعلامية قبل أن تكون الهيئات الإعلامية نفسها مستقلة القرار، لا أن يكون وجودها في المشهد مجرد كيانات منزوعة الصلاحيات، ويتطلب تحقيق ذلك أن تصبح الجهة المالكة للمؤسسات بعيدة عن فرض رؤيتها على العاملين فيها، وعلى الحكومة التدخل لتحدد بالضبط من له الكلمة العليا في إدارة المنظومة.

18