مشاركة الأبناء في أزمات الأسرة المادية تبني شخصياتهم المالية

التثقيف المالي للأطفال يساهم في تطوير سلوكيات تدبير حياتهم مستقبلا.
الجمعة 2020/07/10
تأقلم مع الوضع الجديد

يواكب الأبناء على مدار حياتهم التغييرات التي تمر بها أسرهم ومن بينها الأزمات المالية وفي حين يحرص الكثير من الآباء والأمهات على عدم إشراك أطفالهم في الصعوبات المادية التي يمرون بها وذلك لتجنب إيذاء مشاعرهم وللحفاظ على سلامة نفسياتهم، أكد الخبراء أن التثقيف المالي للأطفال في عمر مبكر يساهم في تطوير سلوكيات إدارة مالية سليمة لديهم في المستقبل.

لندن – تمر الملايين من الأسر في وقتنا الحاضر بأزمات مادية بسبب الانعكاسات السلبية لتفشي فايروس كورونا على وظائفهم وأعمالهم، وفي حين يفضل البعض عدم إشراك الأبناء في معرفة حقيقة الوضع المالي للأسرة ترى أسر أخرى أن اطلاع الأبناء على الصعوبات المادية التي تمر بها أمر ضروري وله انعكاسات إيجابية على تثقيفهم المالي وتحملهم المسؤولية في حياتهم المستقبلية.

وقالت هيفاء بن سالم ربة بيت وأم لثلاثة أبناء إن أزمة كورونا أثرت كثيرا على الاستقرار المالي لأسرتها وأدت إلى تقلص مداخيلها مما اضطرها إلى التقشف في نفقاتها، ولاحظ الأبناء نقصا في تلبية حاجياتهم.

وأشارت إلى أنها فضلت إخبار أبنائها بالأزمة المالية الخانقة التي فرضتها هذه الجائحة على الأسرة وذلك لتضع حد لطلباتهم التي لا تنتهي، واكتشفت أن اطلاع الأبناء على الظروف المادية جعلهم يتحملون المسؤولية أكبر ويتقبلون التغييرات التي تمر بها العائلة والتي تتطلب التقشف.

أما ابتسام عمري موظفة وأم لطفلين فإنها ترى أن مصارحة الطفل بالصعوبات المادية التي تمر بها العائلة لن تجدي نفعا، وآثارها السلبية على نفسية الطفل أكبر بكثير من إيجابياتها، ولذلك تحرص كل الحرص على عدم مشاركة أبنائها في المناقشات المادية بينها وبين والدهم، كما أنها تسعى جاهدة إلى تلبية كل رغباتهم حفاظا على توازنهم النفسي.

وأكد خبراء العلاقات الأسرية أن خضوع الآباء والأمهات إلى تغييرات مادية طارئة تجعلهم يتحملون عبء كيفية إطلاع الأبناء على التحولات التي سوف تطرأ على حياتهم، ومدى تقبلهم للأوضاع الجديدة، لافتين إلى أن الصغار لا يقدرون المشكلات أو الصعوبات التي تواجه الأسرة لكن من الممكن توضيحها لهم بأسلوب مبسط، وذلك عن طريق تعويدهم بأن بعض طلباتهم ليست مجابة مثلا.

ويرى البعض أنه لا يجوز إطلاع الأبناء على الحقائق المالية للأسرة وخاصة من هم دون العاشرة لأنهم لن يقدروا حقيقة الأمر، وإذا كانت الأوضاع سيئة فمن الممكن أن تجعلهم يشعرون بعدم الأمان وهو إحساس صعب على الطفل لأنه يجعله يشعر بالقلق المستمر وسيكون له تأثير نفسي وسلوكي عليه .كما أنهم يرون أن إبعاد الأبناء عن الأزمات المالية للأسرة يجنبهم مشاعر القلق وعدم الأمان المادي.

مشاركة الأزمات المالية مع الأطفال تعزز تقديرهم لذواتهم وتمكنهم من إدارة حياتهم باستقلالية

وشدد أخصائيو علم النفس على ضرورة أن يصارح الآباء الأبناء بموقفهم المالي، لأن ذلك يشعرهم بأنهم جزء من الأسرة ويمتن علاقتهم بها، منبهين إلى أن الأسلوب الذي يجب أن يتبعه الآباء في إبلاغ أطفالهم بالتغييرات التي طرأت على الأسرة يجب أن يكون مبني على الهدوء والانسجام وعدم المبالغة في وصف الوضع المادي للعائلة، مما يجعلهم يشعرون بالمشاركة والقدرة على تحمل المسؤولية ويخلق لديهم مستوى أعلى من النضج.

وأكد الخبراء أن بناء الشخصية المالية للأبناء جزء أساسي من تكوين شخصياتهم المستقبلية، وأشاروا إلى أن الآباء والأمهات يصرون على تنمية الجوانب الأخلاقية والتعليمية والتربوية للأبناء متجاهلين التثقيف المالي الذي يعد ركيزة أساسية لنجاحهم في المستقبل، منبهين إلى أن تعرض الطفل لمفاهيم المكسب والخسارة تجعله قادرا على التفكير وتحليل المعطيات بشكل عملي.

وقال الخبير النفسي أكرم زيدان في كتابه “سيكولوجية المال”، “على الرغم من أن علاقة الطفل بالمال هي في بادئ الأمر علاقة لعب ولهو وتسلية أكثر منها علاقة جدية، فإن المال يمثل عددا من الدلالات النفسية والاجتماعية التي تعمل على تمرين وتهيئة الطفل للكثير من الأنشطة والسلوكيات الموجودة لديه بالقوة أو الفعل”.

وأضاف “على الرغم من بساطة تلك العلاقة فإنها علاقة وجدانية عميقة تتغير معها الكثير من السمات الشخصية للطفل، ويكتسب من خلالها الكثير من القدرات، فتتسع خبرات الطفل ومدركاته بتعلم واكتساب مفاهيم مثل الإنفاق والتدبير والادخار والبيع والشراء والاستهلاك والثروة والغنى والفقر، فضلا عن معرفة الكثير من المعاني المجردة التي تتضمنها هذه السلوكيات، مثل معنى الاستقلالية والاعتماد على الذات والإحساس بالأمن”.

كما كشفت الدراسات أن التذمر الدائم من الوالدين بسبب الأزمات الاقتصادية التي يعيشونها والحوارات المُتشائمة والشكوى من الضغوطات المادية واكتئابهم المتواصل وذكر تقصيرهم في بعض الأمور أمام الطفل، تؤدي إلى نشأة طفل غير راض عن واقعه وقد تصيبه باضطرابات سلوكية.

وأشار المختصون إلى أن أن التربية المالية والسلوكيات الاقتصادية في سن مبكرة تعتبر من الوسائل الفعالة والأساسية لإنشاء جيل واع وناضج فكريا وماديا واجتماعيا. وبيّنوا أن مشاركة الأزمات المالية مع الأطفال تعزز تقديرهم لذواتهم وتمكنهم من إدارة حياتهم باستقلالية ومهارة وتحررهم من الاعتماد الكلي على الوالدين.

ونبهوا إلى أن واقع الأبناء المالي ما هو إلا نتيجة تربيتهم المالية في الصغر، ونصحوا بالحرص على تعليمهم المفاهيم والأسس المالية السليمة، وعدم جعلهم يكررون نفس الأخطاء التي اعترضتهم.

وقالت الكاتبة بيث كوبلينر في كتابها “اجعل طفلك عبقريا في المال حتى لو لم تكن كذلك” إن الوضع المادي للعائلة لا يجب أن يكون سرا أو أمرا لا يُكشف عنه أمام الأبناء، بل على العكس، يجب مُصارحة الأبناء بوضع خارطة أمامهم واضحة المعالم لكل ما تمر به العائلة ماليا”، مشددة على ضرورة إشعار الطفل أنه جزء من العائلة يعي تماما ما تمر به، وأنه يمكن أن يؤدي دورا فاعلا إذا فَهم ما تمر به الأسرة من ظروف مادية صعبة.

21