مشاركة الرجال في تربية الأطفال تصنع مستقبل الأجيال

رعاية الآباء للأبناء تجعل منهم أشخاصا سعداء في حياتهم.
الأحد 2020/11/08
الروابط الأسرية القوية لها تأثير عميق على الصحة النفسية والجسدية للأطفال

أدرك الخبراء أن مسؤولية رعاية الطفل لا يمكن أن يتولاها شخص واحد بمفرده، فاهتموا بإبراز دور الآباء في التربية السليمة للطفل، وفي ضوء ما هو معروف من أن العلاقة بين الأب والأبناء تشكل أحد أكثر العوامل التي تُنبئ بشكل المستقبل الذي سيعيشه الأبناء، بدءا من طبيعة أدائهم في مدرستهم الابتدائية ثم في الجامعة، وبعد ذلك خلال مسيرتهم المهنية وحياتهم الأسرية، فإن العلاقة الوطيدة والقوية بين الأب وأبنائه وحضوره بشكل دائم في حياتهم اليومية يجعلان منهم أشخاصا سعداء أو تعساء.

يتجه العديد من الرجال في المجتمعات العصرية إلى محاولة القطع مع العادات المتوارثة، وتغيير الصورة التقليدية للأب البعيد كل البعد عن الأسرة، بسبب انهماكه الدائم في العمل، وذلك عبر الانخراط أكثر في تربية الأبناء ومشاركة الزوجات في القيام بالأعمال المنزلية التي كانت حكرا على النساء.

وأسهمت أبحاث عديدة في إبراز أهمية دور الأب في تشكيل شخصية أبنائه منذ نعومة أظافرهم، وهذا يتعارض مع الأفكار النمطية عن الأبوة والنوع الاجتماعي.

واللافت أنه حتى السبعينات من القرن الماضي، لم يحظ دور الآباء في تربية الأطفال إلا بالقليل من الأهمية في بعض الأبحاث، رغم أن مشاركة الأب والأم معا في تربية أبنائهما بتقديم الدعم المعنوي والإحاطة النفسية لهم، يمكن أن تترك أثرا إيجابيا على شخصياتهم مدى الحياة، بغض النظر عن الحالة الاجتماعية والاقتصادية للبيئة الأسرية التي ينتمون إليها.

وسعى علماء النفس – بشكل متزايد – خلال السنوات القليلة الماضية، إلى دراسة الآثار السيئة المترتبة على غياب الأب عن حياة الأبناء والفجوة الكبيرة التي يتركها انعدام الإحساس بدعم الأب وحنانه وحبه، وقد يلقي ذلك بظلاله على صحتهم الجسدية وسلوكهم الاجتماعي العام، فيكونون أقل استقلالية وأضعف قدرة على ضبط سلوكهم الفردي، بالإضافة إلى مشاكل نفسية لدى بعضهم تتميز بعدم النضج والعصبية والانحراف، وتزعزع ثقتهم بغيرهم من الأطفال وتجعلهم غير قادرين على إقامة علاقات صداقة مع أقرانهم.

 وتشير الدراسات إلى أن الدور التربوي الذي يقدمه الأب في هذا الصدد، يؤثر على بناء شخصية ابنه، كما يمكن أن يؤثر على مستقبله الدراسي والوظيفي وعلاقاته الاجتماعية.

وترى عالمة الاجتماع كريستين كاستيلين مونيير في كتابها الذي يحمل عنوان “الغريزة الأبوية” أن الآباء الجدد يشككون في القوالب النمطية المبتذلة، وأصبحوا يشاركون في مهام المنزل من أجل تخفيف العبء على زوجاتهم.

ولسنوات طويلة ألقت معظم المجتمعات بالمسؤولية على الأم في تربية الأبناء ودعمهم نفسيا وعاطفيا، أما الأب فيقتصر دوره على دعم الأسرة اقتصاديا، وبالتالي يكرس معظم وقته للعمل والالتزام المطلق بهذا الدور الذي يرمز إلى الرجولة والسلطة، بينما تهتم الأم بكل ما يتعلق بتوفير الإحاطة والحنان.

لكن النموذج التقليدي للأبوة ليس قدرا لا مهرب منه، فقد اكتسب الكثير من الآباء المنفتحين المزيد من الوعي بشأن دورهم في رعاية أطفالهم والاهتمام بهم، واكتشف الكثيرون منهم أنه ما من سبب يمنعهم من أن يصبحوا أكثر حضورا في حياة أبنائهم مثل الأمهات.

وبات من المألوف رؤية أعداد متزايدة من الرجال في الأماكن العامة يداعبون صغارهم ويطعمونهم أو يغيرون لهم حفاظاتهم، أو يصاحبون أطفالهم الأكبر سنا في جولات بالدراجات الهوائية مرتدين ملابس مشابهة لملابسهم.

ويتحلى معظم هؤلاء الآباء بالتعاطف والتفهم، ولا يرفضون مشاركة زوجاتهم في طهي الطعام أو المذاكرة للأبناء والاعتناء بصحتهم.

ويؤكد خبراء علم النفس أن الرابطة القوية بين الآباء والأبناء تنشأ من الإحاطة النفسية والدعم المعنوي للأطفال منذ مراحل أعمارهم المبكرة ويكون لذلك أكبر الأثر في جميع مجالات حياتهم، ويعزز من قدراتهم على التواصل مع الآخرين، وفي حل المشكلات أو تجاوز المحن والصعوبات.

هرمون "أوكسيتوسين" الذي يرتبط بسلوك الترابط وخلق ذكريات المجموعة يرتفع في دم الآباء عند اعتنائهم بصغارهم
هرمون "أوكسيتوسين" الذي يرتبط بسلوك الترابط وخلق ذكريات المجموعة يرتفع في دم الآباء عند اعتنائهم بصغارهم

ويشدد الخبراء على أهمية التجارب التي يمر بها الطفل، خلال سنوات عمره المبكرة، في تكوين شخصيته. ويتمثل الأمر المحوري في الطريقة التي يتصرف بها الأب والأم مع أطفالهما.

وأشارت دراسة أجرتها عالمة النفس روث فيلدمان، من جامعة بار إيلان بإسرائيل، إلى أن مستوى هرمون أوكسيتوسين، المسؤول عن سلوك الترابط بين الآباء والأبناء، وخلق ذكريات جماعية وربط علاقات الاجتماعية، يرتفع في الدم لدى الآباء عند اعتنائهم بصغارهم.

 وأثبتت دراسة أخرى، أن الآباء عندما يتولون بمفردهم مسؤولية رعاية الأبناء في حالة غياب الأمهات، تنشط لديهم نفس المناطق من الدماغ التي تنشط لدى الأمهات للتكيف مع المهمة.

وتفيد دراسة مطولة نشرت في دورية “تشايلد سايكولوجي آند سايكايتري”، أن التفاعل الوجداني بين الأب والرضيع ينبئ بالنمو العقلي والنفسي السليم للطفل. فكلما ازداد تفاعل الآباء مع الرُضع وجدانيا، قلّت فرص ظهور المشاكل السلوكية لدى الطفل في المراحل اللاحقة من العمر، والعكس. وكلما ازداد دعم الآباء، أو من يقوم مقامهم، للأطفال عاطفيا في الصغر، ازداد رضا الطفل عن الحياة لاحقا، وتحسنت علاقته بمدرسيه وزملائه.

ويدرك معظم الآباء الذين تحدثوا لـ”العرب” أهمية تحول الأبوة إلى مصدر للحب والحنان، والتخلي بذلك عن الأفكار المسبقة والنمطية التي تظهر رب الأسرة في صورة سلطوية لا تترك مهامها مكانا للعاطفة.

ونقيضا لصورة رب الأسرة التقليدية يشعر الأب التونسي أحمد الجبالي بالرضا والقيمة لعلاقته القوية بأبنائه وتساعده واجباته الأسرية على تخطي الوصمة التقليدية لرجل لا يعمل خارج البيت، وفي بعض الأحيان ترمقه أعين النساء بإعجاب عندما يكون جالسا في إحدى الحدائق العمومية وهو يقوم بمداعبة ابنته الصغيرة وإطعامها أو يتفحص درجة حرارتها.

ويقول الجبالي “لا سبب يمنعني من المشاركة في العمل بالمنزل والقيام بما تقوم به زوجتي، لقد قسمنا الأعمال المنزلية في ما بيننا، لأن زوجتي تعمل في القطاع الحكومي وعليها مسؤوليات كثيرة، بينما خسرت أنا عملي بسبب إغلاق المؤسسة التي كنت أعمل فيها”.

وأضاف لـ”العرب”، “كان عليّ تولي مهام مجالسة طفلتنا الرضيعة، ومتابعة دراسة ابني الأكبر وتحميمه، وإطعامه، وأقوم بمسح الأرضية والطبخ وإعداد الخبز، وأحاول قدر المستطاع دعم أطفالي، وتوفير الطمأنينة والحب لهم، ومساعدتهم على فعل ما يحبون”.

وقال أب عراقي يدعى علي “أتابع العديد من الدروس التربوية عبر الإنترنت كي أوفر لابني أفضل ما في الأبوة، فأنا أظن أن تربية ابني هي أهم شيء يمكن أن أقوم به في حياتي”.

ويريد علي، وهو والد لطفل عمره ثمانية أعوام، تحسين مهاراته التربوية لأن تربية الأطفال قد أصبحت أكثر صعوبة مما كان سائدا في الماضي على حدّ تعبيره.

فيما عبر البعض من الآباء عن شعورهم بالإنهاك لمحاولاتهم المستمرة في الإيفاء بتعهدات كبيرة منهم بالعمل خارج البيت وداخله، وهو ما عاد عليهم بالإنهاك الجسدي والخسارة في الوظيفة.

لكن هذا التوجه الجديد الذي عزز انخراط الرجال أسريا، وساهم في إبراز أهمية دور الآباء في تربية الجيل المقبل الذي سيحمل على عاتقه أعباء المجتمع ككل، هل يعني تقدما حقيقيا على صعيد المساواة بين الرجل والمرأة أم هو مجرد قشرة خارجية؟ إذ لا تزال معظم النساء تكدح في العمل مع تحملهن العبء الأكبر لمسؤوليات الأسرة.

21