مشاركة المرأة في الحياة العامة شرط الديمقراطية في البلاد العربية

الأربعاء 2016/03/09

إنه يوم المرأة العالمي، ولا يمكن أن يمرّ دون أن نستعرض مشكلة وضعية النساء في مجتمعاتنا، ليس من باب الشكوى أو المطالبة برفع مظلومية أو ما شابه، بل من أجل الخروج بمجتمعاتنا من النفق المظلم.

فالكثير من شابات الجيل الجديد يشعرن بأنفسهن كمتساويات بالرجل بالمعنى الإنساني والحقوقي، ومنهن المنخرطات في الشأن النسائي والعمل على تحسين أوضاع النساء ليس من أجل النساء فقط بمعنى الانحياز، بل لأن تحسين وضعية المرأة هو شرط لتطور المجتمع ككل.

وهنا أذكّر بما جاء في تقرير التنمية الإنسانية، منذ العام 2002، الذي أشار إلى وجود 3 معيقات أساسية أمام شرط النهوض والتقدم في العالم العربي وهذه المعيقات الثلاثة تتعلق بوضع كل من الحرية، والمعرفة، والمرأة.

تعد المشاركة السياسية، في المجتمعات الحديثة، إحدى القضايا التنموية الأساسية، لذا تصبح مشاركة النساء في الشأن السياسي والعام المدخل لتمكينهن من التأثير في قضايا السياسات العامة وإدارة شؤون الدولة.

من الواضح إذن أن وضعية المرأة تندرج في سياق عام يشمل كلا من الرجل والمرأة في عملية البحث عن تطور وتقدم المجتمع.

على المستوى النظري هناك شبه إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة وبالمساواة بينها وبين الرجل في أكثرية دساتير البلدان العربية. لكن للأسف أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة لا يجسد، بالضرورة، واقعا تتحقق فيه كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

ومع أن الأمر شديد التعقيد، إلا أنه تجدر الإشارة منذ البداية إلى وجوب عدم الخلط بين مشاركة المرأة في السياسة وبين الديمقراطية؛ فهذان أمران منفصلان. ذلك أن نسبة مشاركة النساء في المجالس البرلمانية على المستوى العالمي لا تزال غير مرضية، إضافة إلى أن أعلى نسبة تمثيل برلماني للنساء كانت موجودة في كل من سوريا وتونس قبل انكشافهما وسقوطهما؛ فهي وسيلة تلجأ إليها الأنظمة الدكتاتورية من أجل تحسين صورتها لا أكثر. ونجحت في الحصول على رضى منظمات الأمم المتحدة للأسف.

أما عن تخلي النساء عن الاهتمام بالسياسة، عموما، فهو قاسم مشترك بينها وبين المواطن – الرجل العادي؛ فالسياسة في بلادنا تعد ميدانا مخيفا وتتخذ طابعا احتكاريا، فالشعار هو: اتركوا السياسة لأهلها! فمن هم أهل السياسة؟ وهل السياسة وظيفة؟ وما هي السياسة؟

ترتبط السياسة في العالم العربي بالرجولة والسلطة والقبيلة أو العشيرة. هذا حسب التعريف التقليدي المتعلق باللعبة الانتخابية، وبإدارة المؤسسات. لكن عندما يقصد الوجه الآخر للسياسة، بمعناها الحديث من أحزاب معارضة أو منظمات تتعاطى النضال الحزبي أو النقابي، تتحول السياسة إلى مصدر للخوف وللرعب في أنظمة الاستبداد. فهي، بهذا المعنى، مرادفة للقمع وللعقاب وللسجن عند العامة. ومن هنا جاء شعار “البعد عن السياسة غنيمة”. وهذا عائق مهم أمام أي مواطن.

من العوائق أيضا كون السياسة مرتبطة بالسلطة والعنف. يسود تعريف جانب واحد للسياسة بجعلها كل ما يتعلق بإدارة المجتمع السياسي، أي الدولة. والدولة تتأسس على القوة، فالعلاقة بين الدولة والعنف حميمة جدا. وكل رجل يمارس السياسة يتوق إلى السلطة. تصبح الدولة هنا عبارة عن هيمنة إنسان على آخرين، بواسطة العنف.

وهذا الفهم الاختزالي السائد هو في أصل إبعاد المرأة وتهميشها في المجتمعات العربية. السياسة تقوم على علاقة الراعي بالرعية، أو على الوجاهة والذرائعية والخدمات والزبائنية والاستتباع عندما تكون الدولة أقرب إلى الجمهورية بالمعنى العالم ثالثي. هذا وحده مبعد للمرأة لأنها خارج هذه الدائرة عامة. فما بالك عندما يصبح الأمر متعلقا بالنضال والمعارضة والحياة الحزبية؟ فالمرأة عندما تشترك في الحياة الحزبية تكون من ضمن القاعدة العريضة للحزب وفي ظل الدائرة الأسرية، ونادرا ما تصل إلى القيادة. وكلنا نعلم كم أن مشاركة المرأة في الحياة الحزبية هامشية.

قانون الانتخاب العائلي العشائري والطائفي في لبنان يقف عائقا أمام الترشيح الانتخابي للمرأة. فعندما تكون المقاعد معدودة لتمثيل طائفة ما هل يعود من الممكن السماح لامرأة بتمثيلها؟ ناهيك عن التوظيف المالي الضخم بينما هي ضعيفة على هذا المستوى خاصة.

العائق الآخر اعتبار العمل الاجتماعي خارج السياسي. والقانون في بلادنا يشترط على الجمعيات الأهلية ذات الطابع الاجتماعي عدم التدخل في الشؤون السياسية. يسبب هذا خللا على مستوى مشاركة المواطن العادي، ما يجعل الشأن العام خارج العمل الاجتماعي فيهمش المرأة والعمل الاجتماعي نفسه.

من هنا نجد أن رفع شعار “كل ما هو شخصي هو سياسي” طريقة الحركات النسوية لمواجهة هذا الفهم السلطوي للسياسة، عبر المطالبة بتوسيع العالم السياسي بحيث يشمل الاجتماعي والشخصي، وذلك في محاولة لجعل الاهتمامات التقليدية للمرأة كجزء من السياسي ومن المشاركة في الحياة العامة. فالحاجة إلى مدرسة للأولاد هي شأن سياسي كما أن تطبيب الطفل والكهرباء المقطوعة ومياه الشقة أيضا، هي جميعها مطالب سياسية في النهاية، وكذلك القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية.

من العوامل الأخرى المعيقة في البلاد العربية تمركز السلطة، فهذه ظلت معقودة لعهود لمجموعة من العائلات التي امتلكت الثروات العقارية والمالية والعصبيات؛ فلقد سجل النفوذ السياسي والاجتماعي نوعا من الثبات التاريخي ضمن دوائر مغلقة، فيتم توزيع مناصب المشاركة في السلطة السياسية بين عائلات محدودة تتداول السلطة تبعا لخصائص ومتطلبات المجتمع.

أيضا غياب الثقافة الحقوقية التي لا تتعلق بوجود القانون أو غيابه فقط، بل بمسألة تفعيل هذا الحق القانوني أو تهميشه. ففي بلد يعرف الممارسة الديمقراطية العريقة مثل لبنان ويعترف بحقوق المرأة منذ العام 1952 نجد أن نسبة الوعي بالحقوق السياسية بين النساء اللبنانيات منخفضة. في الديمقراطيات الحديثة لا يمكن الفصل بين حقوق وواجبات المواطنية.

المطلوب الكثير لتغيير هذه الأوضاع لكن سأكتفي بالإشارة إلى 3 أوجه مترابطة:

دور التربية والإعلام في تغيير البنى الذهنية. التربية مهمة جدا، خصوصا التربية المدنية ليس بمعنى “إعطاء درس في التربية المدنية” فقط، بل المساهمة في التربية على الديمقراطية عبر إيجاد علاقات مؤسسية ديمقراطية بين المواطنين وبين التلاميذ والمعلمين، وداخل الأسرة نفسها. من هنا لا يعود الأمر متعلقا بجعل البيئة مكانا “ديمقراطيا” بل في خلق “بيئة لتعلم الديمقراطية”.

هذا الاهتمام بالتربية على المواطنية والتوعية على صعيد حقوق الإنسان يجب أن يمتد على طول السنوات الدراسية وأن يتأسس على معرفة التاريخ وأنظمة الحكم المختلفة والدستور والمؤسسات السياسية الوطنية. أما جوهر مثل هذا البرنامج فهو الدراسات الاجتماعية لكن أيضا التجارب المدنية وممارستها كجزء من عملية التربية، مثل مجالس ونوادي وتنظيمات المجتمع المدني.

أما الإعلام فهو سيف ذو حدين، وله أدوار متعددة وكلنا نلاحظ أهمية دور الميديا في تغيير الصور وتعديلها، ولنذكر فقط الإعلانات كنموذج. لذا يجب أن تستغل هذه المساحة من أجل العمل على دعم مشاركة المرأة في الحياة السياسية والعامة، وفي المساهمة للقضاء على التمييز الممارس ضدها. وذلك من أجل تغيير البنى الذهنية عبر العمل على إيجاد أمثلة ونماذج جديدة مساواتية وديمقراطية.

والنماذج أو الأمثلة مسألة في غاية الأهمية، لأنها تدعم صورة مغايرة عن المرأة و تعزيزها، وترشد الأولاد وتعلم الأمهات كيفية تربية أولادهن تربية أكثر مساواتية، كذلك إيجاد مراكز إرشادية للأزواج والوالدين الجديدين.

كاتبة لبنانية

9