مشاركة النهضة في الحكومة التونسية تثير جدلا داخل "النداء" وخارجه

الثلاثاء 2015/02/10
نداء تونس لا يريد ايقاف عجلة العملية السياسية بابعاد النهضة

تونس - أثارت مشاركة حركة النهضة الإسلامية في الحكومة التونسية الجديدة، جدلا واسعا وسجالات سياسية خارج وداخل حركة نداء تونس التي فازت بالأغلبية البرلمانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، بين رافض لهذه المشاركة ومؤيد لها.

الموقف من مشاركة النهضة من عدمها يتعدى الموقف المباشر من حضور الحركة الإسلامية في الحكومة الجديدة، بل يتعداه إلى رفض مرحلة كاملة كانت النهضة خلالها تقود العملية السياسية في تونس عبر تجربة "الترويكا" التي تتفق عديد القراءات على أنها خرابا لتونس على أصعدة مختلفة. لذلك كان إصرار عديد القوى السياسية على رفض وجود حركة النهضة في الحكومة تعبيرا يختزل تصورا مفاده أن الفاشل لا يمكن أسعافه بتجربة جديدة لتقديم فشل جديد. في هذا الصدد امتنع نائبان من حركة نداء تونس عن التصويت لحكومة الحبيب الصيد التي ضمت في تشكيلتها وزيرا و3 كتاب دولة من النهضة، فيما حصلت على ثقة مجلس نواب الشعب بأغلبية الأصوات.

ورفضت الجبهة الشعبية والاتحاد الوطني الحر مشاركة النهضة، في الحكومة، بينما أيدها حزب آفاق تونس وحزب حركة نداء تونس رغم تحفظات بعض نوابه، في بوادر أكدت وجود اختلافات في وجهات النظر داخل الحزب العلماني كما خارجه.

الطيب البكوش: جامعي وحقوقي، ووزير الخارجية في حكومة الصيد. سبق له أن تولى الأمانة العامة لاتحاد الشغل، وتولى حقيبة التربية في حكومة قائد السبسي بعد الثورة


سنظل معارضين للإخوان وأفكارهم رغم إشراكهم في الحكم


قاد الطيب البكوش الجناح الندائي الرافض للنهضة داخل الحكومة، معلنا أنه سيظل معارضا للحركة الإخوانية ولأفكارها، رغم أنها أصبحت شريكا في الحكم.

البكوش وزير الخارجية الحالي في حكومة الحبيب الصيد المحسوب على التيار اليساري داخل حزب حركة نداء تونس، قال الأسبوع الماضي بعد أن منح مجلس نواب الشعب الثقة لحكومة الحبيب الصيد، إنه رغم مشاركة حركة النهضة في الحكومة الجديدة، فإن حزبه لا يزال يعارض جميع أفكار الحركة الإسلامية.

وأضاف في تصريحات صحفية أن حركة نداء تونس قررت ألا توقف عجلة العملية السياسية، رغم أنه كان من حقها تشكيل حكومة غير ائتلافية.

وتابع، أن هذا “لا يعني أننا تنازلنا أو قررنا ألا نعارض سياسات النهضة، بل سنظل معارضين لأفكارها ومشاركتها في الحكومة حتى نعبر جميعا تلك الفترة الحساسة من تاريخ البلاد”.

وأعلن أنه سيتم حل الأزمة الراهنة “التي لن توقف مسيرة الوطن، حتى لو كانت النهضة مشاركة في الحكومة، فسياسات الحكومة ستكون واضحة مبنية على أساس سياسات نداء تونس التي خضنا بها الانتخابات”.

وقال البكوش “موقفي كان واضحا فأنا كنت ضد إشراك النهضة في الحكومة، لكنني أيضا ملتزم بقرار رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، وسنسعى جميعا إلى خدمة البلاد، ولن أصمت أبدا إذا ما رأيت تجاوزات أو محاولات من النهضة لفرض أفكارها على الحكومة”، مضيفا أنه من السابق لأوانه الحديث عن تلك الأمور.

وقبل ذلك كان، الطيب البكوش، قد أعلن أن حزبه سيدافع عن موقف عدم تشريك حركة النهضة في الحكومة المقبلة، مؤكدا على هامش وقفة احتجاجية شارك فيها نحو 40 شخصا أمام مقر الحزب للمطالبة بعدم تشريك الحركة الإخوانية في الحكومة، أن نداء تونس ملتزم بهذا الموقف وأنه سيدافع عن منتسبي الحزب الرافضين لتشريك النهضة في الحكم.

ويرى البكوش أن النهضة التي قادت الائتلاف الحاكم السابق (الترويكا) فشلت في خياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، كما أنه في عهدها حدثت عمليتا اغتيال سياسي وعمليات إرهابية استهدفت الأمن والجيش الوطنيين، إضافة إلى تدهور المستوى المعيشي للمواطن، وأن وجودها مجددا في الحكم قد لا يكون مفيدا لمسيرة الحكومة السياسية ولبرامجها التي على أساسها انتخب التونسيون نداء تونس.

لن أصمت أبدا إذا رأيت تجاوزات أو محاولات من النهضة لفرض أفكارها على الحكومة

وأسس الباجي قائد السبسي مع الطيب البكوش حزب نداء تونس عام 2012 في أوج الأزمة السياسية والاضطرابات الأمنية في الفترة الثانية من حكم الترويكا. وفرض الحزب نفسه سريعا على الساحة السياسية كأكبر خصم علماني لحركة النهضة الإسلامية، ومنذ تأسيسه، دأب قائد السبسي على توجيه انتقادات لاذعة للإسلاميين الذين وصفهم بالرجعيين والظلاميين، وبأنهم أكبر خطر على تونس التي تعتبر من أكثر البلدان العربية انفتاحا على الغرب.

وطرح الحزب برنامجا اقتصاديا وسياسيا خلال الحملة الانتخابية التي أوصلته إلى الحكم، لإنقاذ البلاد من أزمتها وإعادة الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية، ومعالجة تراكمات ورواسب حكم الترويكا.

وبعد فوز النداء بالأغلبية البرلمانية، أعلن السبسي الذي فاز في الانتخابات الرئاسية أن حزبه منفتح على الجميع بمن فيهم النهضة التي انتقدها بشدة في السابق، نافيا أي مسعى للتفرد بالسلطة.

واعتبر البكوش، الوزير السابق وأحد أهم الرموز النقابية (سابقا)، في تصريحات للصحافة المحلية والعربية أن على النهضة أن تكون في المعارضة وتشارك من مكانها في تسيير شؤون البلاد، لكنه قال أيضا، إن الكلمة الأخيرة بخصوص مشاركة الحركة من عدمها في الحكومة مرتبطة بالحبيب الصيد، في تصريح يبدو دبلوماسيا، يثبت موقفه المعارض ولا يخرجه في نفس الوقت عن سياق الانضباط والالتزام الحزبي.

ورفض البكوش التعليق على أنباء سابقة حول إستبعاده من منصب رئاسة الحكومة بسبب موقفه من مشاركة حركة النهضة، وقال أما إذا كان ذلك بسبب تمسكي بأفكاري المناهضة للإسلام السياسي فهذا مصدر فخر لا أخجل منه، وجميعنا نسعى لخدمة تونس من أي موقع في الحزب أو الحكومة.

ياسين ابراهيم: رجل أعمال، عين وزيرا للنقل والتجهيز في حكومة محمد الغنوشي، وتولى الأمانة العامة لحزب آفاق تونس ابتداء من 17 يوليو 2011


لا ثقل للنهضة في الحكومة، والشراكة لتفادي التجاذبات


ياسين إبراهيم وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي في الحكومة الجديدة والنائب عن حزب آفاق تونس دافع بحماس عن إشراك النهضة في الحكومة، معتبرا أن ذلك يعزز الوفاق الوطني ويجنّب البلاد إهدار الوقت في التجاذبات السياسية.

وقال في أحاديث لوسائل الإعلام المحلية، إن مشاركة النهضة في الحكومة رمزية، خاصة أنها المنافس الأول للحزب الحاكم، وأن الهدف من إشراكها هو إرساء استقرار سياسي لمدة معيّنة.

وأضاف أن الحكومة الجديدة هي حكومة سياسية لضمان الاستقرار في البلاد، وهي منفتحة على كل الأطراف لتفادي التجاذبات السياسية في هذه المرحلة وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني، وهذا ما سيساعد على إخراج البلاد من أزمتها، ويدفع نحو تحقيق برامج التنمية والنهوض بالاقتصاد. وأضاف أن خيار إشراك النهضة في الحكومة، خيار ذهب إليه الحبيب الصيد حتى تكون التشكيلية الحكومية منفتحة على طيف واسع من الطبقة السياسية.

وشدد ياسين إبراهيم خلال فترة المشاورات الحزبية لتشكيل الحكومة على أن حزبه لن يعارض إشراك النهضة إذا ما توصل نداء تونس لتفاهم مع الحركة الإسلامية، مضيفا أنها (النهضة) ليست حزبا هامشيا وأنها تمثل ثقلا سياسيا لا يمكن تجاهله.

وتابع، نحن ضد إقصاء أي طرف، لكن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن هناك أحزابا فازت في الانتخابات التشريعية وأخرى خسرت، والنهضة لم تخسر، فهي القوة الثانية بعد النداء.

وجاءت تصريحات ياسين إبراهيم مخالفة لكل التوقعات التي أعقبت الانتخابات التشريعية والرئاسية، حيث دعم حزب آفاق تونس مرشح النداء للرئاسية الباجي قائد السبسي، وانتقد المنصف المرزوقي مرشح المؤتمر من أجل الجمهورية، المقرب من النهضة، كما انتقد بشدة في العديد من المناسبات بعض قيادات الحركة، واصفا إياهم بالمتطرفين.

ويبدو أن لدى آفاق تونس حسابات أخرى، فرضتها ربما تحالفات غير معلنة، قد يراهن عليها في المستقبل لضمان بقائه في دائرة الأحزاب المتقدمة، بعد أن أحدث مفاجأة في انتخابات 26 أكتوبر 2014، وحل كقوة حزبية بـ8 مقاعد في مجلس الشعب.

وقال ياسين إبراهيم “نريد أن يكون وزن حزبنا في الحكومة الجديدة كافيا كمّا ونوعا”، مشيرا إلى أن المشهد السياسي بعد الانتخابات التشريعية، يفرض الدخول في تحالفات.

وفي مقابل دعمه للنهضة، كان إبراهيم قد هاجم الحزب الوطني الحر، وقال: "هذا الحزب مطالب بتقديم كفاءات للمشاركة في الحكومة إن وجدت لديه كفاءات"، مضيفا أنه من الأفضل أن لا يتواجد في الحكومة، وفق تعبيره، في تناقض لدعوته عدم اقصاء الأحزاب الفائزة في الانتخابات التشريعية.

مشاركة النهضة في الحكومة رمزية، الهدف منها إرساء الاستقرار السياسي وتفادي التجاذبات في هذه المرحلة

ويتعارض موقف رئيس آفاق تونس، مع تصريحات سابقة متواترة كان أدلى بها في العام الماضي خلال حملته الانتخابية، قال فيها إن هناك مخاوف جدية من عودة النهضة إلى الحكم، معتبرا أنها أتعبت الشعب التونسي.

ويعرّف حزب آفاق تونس، الذي نشأ بعد ثورة يناير 2011، نفسه بأنه حزب اجتماعي ليبرالي لا يبطن خلفيات أيديولوجية، ويدعو إلى انتهاج نمط تنموي يغاير ما كان سائدا في الماضي، ويعطي أولوية كبيرة لبناء الدولة ومراجعة المنظومة التربوية والصحية والاقتصادية، ويرفض وصفه بالنخبوي.

ويوصف الحزب بأنه حزب رجال الأعمال ويتألف من كوادر من التكنوقراط الذين درسوا في جامعات غربية كبرى، ويركز على الاقتصاد، لأنه حسب بعض المحللين، يميني من الناحية الاقتصادية.

وكان الحبيب الصيد قد أعلن الأسبوع الماضي عن التشكيلة الوزارية التّي ضمت 27 وزيرا و14 كاتب دولة، منهم 7 وزراء وكاتب دولة من حركة نداء تونس، ووزير و3 كتاب دولة من حركة النهضة و3 وزراء من حزب آفاق تونس و3 وزراء من الاتحاد الوطني الحر، فضلا عن شخصيات مستقلة وأخرى مستقلة ذات خلفيات حزبية.


الغنوشي يطمئن المعارضين لمشاركة النهضة في الحكم


تونس - وصف رئيس حركة النهضة الإسلامية التونسية، راشد الغنوشي، حكومة الحبيب الصيد التي منحها مجلس نواب الشعب (البرلمان) الثقة الأسبوع الماضي، بأنها مناسبة، أساسها التوافق، رغم كونها لم ترتق إلى مستوى حكومة وحدة وطنية، على حد تعبيره.

وأضاف الغنوشي في رسالة تبدو تطمينا للشعب وللأحزاب الرافضة لمشاركة النهضة في الحكومة، أن نمو تونس واستقرارها رهين التوافق بين الإسلاميين والدستوريين، في إشارة إلى حزب نداء تونس الذي يتألف في معظمه من الدستوريين.

وفي سياق التطمينات قال الغنوشي أيضا “نحن قبلنا أن نشارك في الحكومة، رغم أنها مشاركة جزئية ولا تتناسب مع حجمنا السياسي باعتبارنا الحزب الثاني، والفرق بيننا وبين الحزب الأول (نداء تونس) صغير واعتبرنا ذلك تضحية منا وتنازلا لمصلحة استمرار خيار التوافق الذي راهنا عليه في تونس والذي أنقذ التجربة التونسية من مصير بقية الثورات العربية التي انتهى بها الصراع بين الإسلاميين وغير الإسلاميين إلى الانهيار”. وتابع “نحن نراهن على خيار التوافق، رغم أن مشاركتنا جزئية، لكنها تثبت خيار التوافق وتبعد عن تونس الصراع المحتدم الذي كان في 2012 و2013، وكاد يودي بالتجربة التونسية”، مشيرا إلى الأزمة السياسية التي كانت تونس قد عاشتها بعد اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، المعارضين لحكم الترويكا التي تقودها النهضة.

الدولة تحتاج إلى الجميع، والصراع بين التيار الإسلامي والعلماني يمكن أن يسقط السقف على الجميع

وحرص الغنوشي على التركيز على التوافق السياسي واستمرار الخيار الديمقراطي، بوصفهما الضامنين للاستقرار وتعزيز الوحدة والمصلحة الوطنية والتنمية، مشيرا على أن حكم التوافق هو البديل عن حكم الأغلبية.

واعتبر راشد الغنوشي أن الإسلاميين والدستوريين قوتان عريقتان ومهمتان في تونس وأن النمو والاستقرار رهين بالتوافق بين هذين التيارين ومحاصرة وعزل التطرف سواء باسم الإسلام أو التطرف باسم الحداثة.

وسعيا إلى احتواء المواقف المعارضة والمنتقدة للنهضة بوصفها امتدادا لتنظيم الإخوان المسلمين، قال “نحن نراهن على الوحدة الوطنية، ونراهن على إدماج كل القوى السياسية إسلاميين وغير إسلاميين في الدولة لأن الدولة تحتاج إلى الجميع، ونحن ديمقراطية ناشئة والصراع بين التيار الإسلامي والعلماني يمكن أن يسقط السقف على الجميع، وهذا ما حصل في ثورات الربيع العربي ونحن تجنّبنا هذا، ولذلك اخترنا أن نقبل بمشاركة جزئية لأن هذا فيه مصلحة البلد وهذا فيه محاصرة وعزل لكل التيارات المتطرفة في كل اتجاه”.

وفي سياق احتواء المواقف، أكد زعيم النهضة أن حركته تحاول فتح حوار مع الجبهة الشعبية التي تمثل ائتلاف الأحزاب اليسارية، وأنها طلبت من رئيس الحكومة الحبيب الصيد التدخل من أجل احتوائها في الحكومة لكنها رفضت، وأن محاولات الحوار معها ستبقى مطروحة في المستقبل.

وعن تولي ممثل النهضة، زياد العذاري، حقيبة وزارة التشغيل التي وصفها البعض بأنها كتلة لهب، قال الغنوشي “وزارة التشغيل ليست هي المسؤول الوحيد عن التشغيل وإنما تتكامل مع بقية مؤسسات الدولة ومع القطاع الخاص”.

وعبر عن أمله في أن يواصل التونسيون تجربة التوافق، قائلا : "في مجلس نواب الشعب ترسى دعائم هذا التوافق بين تيارين تصارعا لمدة نصف قرن، التيار الإسلامي والتيار العلماني، اليوم توضع أسس لهذا التوافق بين التيارين، والمأمول أن يكون أساسا لحكومة قوية تحقق أهداف الثورة.

12