مشاركة صور الأطفال على مواقع التواصل خطر له أوجه متعددة

البداية تكون عادة بهدف التباهي والتسلية، لكن النتائج غالبا ما تكون وخيمة، تلك باختصار مشكلة وقوع بعض الأسر في فخ مشاركة صور أطفالها على مواقع التواصل الاجتماعي.
الجمعة 2016/03/11
فكر قبل نشر صورتي

في معظم الأوقات تعكس مشاركة صور الأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي وقتا مميزا في حياة الطفل يكون خلالها في كامل أناقته وسعادته، إلا أن الصور المنشورة قد تتسبب في مخاطر تهدد الطفل مثل الخطف، في وقت تشهد فيه العديد من المجتمعات العربية تزايدا مخيفا في مثل هذه النوعية من الجرائم.

القضية بدأت في دول غربية شهدت ابتكار وسائل التواصل مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام وسناب شوت وغيرها، لكن السلطات المسؤولة في العديد منها انتبهت للمخاطر التي تترتب على نشر صور الأطفال، وبدأت تضع الوسائل المناسبة للتعامل معه.

بعض المعلومات ذكرت أن السلطات الفرنسية مثلا تدرس تطبيق قانون جديد يمنح الحق للأطفال بمقاضاة ذويهم ما قد يؤدي إلى معاقبة “الكبار” بالسجن أو بغرامة مالية تصل إلى 38 ألف دولار أميركي، حال نشر صور لهم دون استئذانهم على شبكات التواصل وتحديداً “فيسبوك” و”تويتر”.

السلطات الفرنسية أيضا كانت حذرت مواطنيها من خطورة ذلك، ورصدت المشكلات النفسية التي يقع فيها الأطفال، ونشرت هيئة الدرك الوطني الفرنسية في حسابها الرسمي على فيسبوك رسالة بعنوان “حافظ على أطفالك”، ردا على دعوات لسلسلة “Motherhood Challenge” المتزايدة لمستخدمي مواقع التواصل لنشر صور أولادهم.

محمد إسماعيل، خبير برمجيات ومهندس في علوم الكمبيوتر، أشاد بالإجراءات التي اتخذتها فرنسا وبعض الدول الغربية لمواجهة ظاهرة الانتشار المخيف لصور الأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي. وقال لـ”العرب” إنه وجد من خلال دراسة قام بها أن تصوير الأطفال بخلفيات تفيد بمعلومات خاصة عن أماكن الإقامة أو السفر أو الدراسة أو الوضع الجغرافي الحالي، يعرضهم لخطر الاختطاف.

الخطر النفسي الذي قد يتعرّض له الطفل من العالم الافتراضي لا يقل عما يتعرض له في عالمه الواقعي

وأوضح أنه رصد حيلا لأشخاص يسرقون صور الطفل ويضعون عليها بيانات أخرى ويدعون أنه طفلهم وهو تائه، وهناك من يتطوع لإحضار الطفل ظنا منه أنه مخطوف، بل هناك عصابات تعرض صور الطفل للتبني.

وحذر الآباء من أنه لا توجد حماية للصور الشخصية على الشبكات الاجتماعية، وهناك من يأخذ صور أطفال أثناء نزولهم إلى حمام سباحة ليربطها بـ“لينكات” مواقع إباحية، أو يستغلها في منتجات إعلانية، وبمجرد نشر الصورة أو مقاطع الفيديو على المواقع الإلكترونية لا يمكن مسحها.

وكشف تحقيق للشبكة البريطانية بي بي سي منذ أيام عن عدد من المجموعات السرية أنشأها ويديرها رجال لديهم ميول شاذة للأطفال، تحوي صورا لأولاد في أوضاع ذات طابع جنسي للغاية، مع تعليقات بذيئة عليها من الزوار، منوها إلى أن الصور تتم سرقتها من صفحات المدارس والصحف ويتم تحويلها إلى مادة إباحية.

عربيا تسود في مجتمعاتنا ثقافة نشر الصور الخاصة والعائلية خاصة صور الأطفال، وتضمين الصور مواقف ساخرة أو تعليقات مثل “أغبى طفل في العالم، أو “طفل كيوت” وهناك أيضا تعليقات مثل “لن تتمالك نفسك من الضحك إن شاهدت هذا الطفل”.

هذه الثقافة يفسرها أخصائيون في الصحة النفسية للطفل بأن بعض المجتمعات العربية باتت ترتكز على حبّ المظاهر، الأمر الذي يجعل الأطفال وكل ما يخصهم “عرضا مستمرا” أمام الجميع.

كما أن “التقليد الأعمى” والرغبة في “محاكاة الغير” هما جل ما يهم الكثير من الأسر العربية، التي تعيش أسيرة عقدة التباهي أو لتعويض عقد نفسية لديها.

السلطات الفرنسية تدرس تطبيق قانون جديد يمنح الحق للأطفال بمقاضاة ذويهم حال نشر صور لهم دون استئذانهم على شبكات التواصل

نتج عن هذا المرض المجتمعي تحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى شاشات للعرض، وتحولت صور الأطفال إلى وسيلة جذب في فاترينات الأسرة على مواقع التواصل، يقتحمها الآخرون لمعرفة ماذا يأكل الطفل وماذا يرتدي وما يفعله في جميع الأوقات.

يسري عبدالمنعم استشاري الأمراض النفسية للأطفال، أكد لـ”العرب” أن انتهاك خصوصية الطفل تعوّده على أن ينمو متلصصا على خصوصيات الآخرين، ومتطفلا على كل ما يراه ويسمعه، لذلك لا بد من تدعيم مفهوم الخصوصية وأولها احترام خصوصيته.

من حق الطفل عدم نشر صوره، لا سيما التي يظهر فيها عاريا، أو كل ما قد يشعره بالخجل في المستقبل عند انتهاك عالمه الطفولي البريء، وهو حظر تزداد أهميته إذا كان الطفل فتاة.

وحذر عبدالمنعم الأهالي من نشر صور أطفالهم على الصفحات الاجتماعية بغرض الترفيه أو التسلية، لأن ذلك بمثابة نوع من العنف النفسي يترك شرخا في تكوين شخصياتهم في ما بعد، خاصة إذا أصبحت الصورة هدفا لمجموعات فيسبوكية متخصصة في السخرية بإطلاق تعليقات أو نكات قاسية.

ويشدد الطبيب النفسي على عدم انتهاك خصوصية الأطفال لصالح العامة، وضرورة اتباع الآباء إعدادات خصوصية صارمة لحماية صور أبنائهم من أي استخدام غير مشروع، لأن الخطر النفسي الذي قد يتعرّض له الطفل من العالم الافتراضي لا يقل عما يتعرض له في عالمه الواقعي، مما يخلق في المستقبل مجتمعا مريضا قائما على مجموعة من العقد النفسية.

وفي وقت سابق حذر خبير أمني في أستراليا الآباء من مخاطر مشاركة صور أطفالهم على الإنترنت، حيث تم العثور على عدد كبير من الصور الموجودة على المواقع الخاصة بالاعتداء الجنسي عليهم، وأغلب هذه الصور التي يراها العالم لأطفال أبرياء تتم سرقتها من مواقع التواصل الاجتماعي.

وربطت العديد من الدراسات المتخصصة بين الارتفاع المقلق في نسب اختطاف الأطفال في مصر وبعض الدول العربية في السنوات الأخيرة، وبين انتشار مواقع التواصل الاجتماعي في تلك الدول، حيث تسهّل الصور المنتشرة على تلك المواقع مهمة الخاطفين سواء بمساعدتهم على تحديد أهدافهم بدقة قبل خطف الطفل، أو حتى بمنحهم الفرصة لتسويقه قبل خطفه من خلال صوره المعروضة.

21