مشاريع البناء والسياحة تحاصر سواحل البحر المتوسط

النموذج السياحي الحالي للدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط يحتاج لتغيير شامل.
الأربعاء 2018/07/11
مشاريع البناء تخنق شواطئ المتوسط

لندن - أكدت أحدث المؤشرات الدولية أن حكومات الدول المطلة على البحر المتوسط أمام تحديات كبيرة من أجل إنقاذ الشريط الساحلي الذي يواجه تهديدات تتمثل في تزايد مشاريع البناء وازدهار السياحة في تلك المنطقة.

وبات تطور القطاع السياحي في المتوسط يهدد المواقع الطبيعية والأنشطة التقليدية مع تشييد فندق ضخم بطريقة غير مشروعة في محمية إسبانية ومجمع سياحي يهدد ملاحات قديمة جدا في لبنان وإقامة مبان قريبة جدا من الشاطئ في فرنسا، فضلا عن فوضى المشاريع في تونس ومصر.

وتمتد سواحل البحر المتوسط على حوالي 46 ألف كلم موزعة على 21 بلدا وتستقطب المنطقة ثلث السياحة العالمية وهناك توقعات بأن تتضاعف عشر مرات خلال العقد المقبل، عمّا كان عليه في سبعينات القرن الماضي.

وترجح هيئة “بلان بلو” العاملة ضمن برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن يصل عدد السياح الأجانب في المتوسط إلى حوالي نصف مليار شخص بحلول عام 2030 بعد أن كان يبلغ في العام 1970 قرابة 58 مليون سائح.

ويقول خبراء الهيئة إن النموذج السياحي الحالي ليس مستداما والنمو الكبير للقطاع سيؤدي إلى تفاقم الضغوط البيئية.

"بلان بلو" تتوقع أن يتضاعف عدد سياح المنطقة 10 مرات ليصل إلى نصف مليار سائح بحلول 2030
"بلان بلو" تتوقع أن يتضاعف عدد سياح المنطقة 10 مرات ليصل إلى نصف مليار سائح بحلول 2030

وارتفع عدد السكان إلى أكثر من الضعف بين 1970 والعام 2000 على السواحل الجنوبية والشرقية، من 32 إلى 75 مليونا، بحسب المصدر نفسه.

ولا تزال تسجل تجاوزات رغم تشديد القوانين في بعض الدول وتحسين معاهدة برشلونة لحماية الشواطئ.

وخضعت سواحل إسبانيا السياحية التي تمتد على ثمانية كيلومترات، لضغوط عديدة منذ أول طفرة بناء في السبعينات إلى أزمة العقارات في عام 2008.

ووفق هيئة مرصد الاستمرارية الإسبانية المستقلة، فقد تم تشييد مبان كثيرة على عمق نصف كيلومتر داخل أراضي العديد من المدن الإسبانية، وقد استحوذت مدينة ملقا الواقعة جنوب إسبانيا على نحو 81 بالمئة من تلك المشاريع في العام 2016.

وثمة فندق مؤلف من 21 طابقا شيّد بمحمية في الأندلس قبل حوالي 15 عاما، يعتبر رمزا للبناء العشوائي وغير الشرعي في القرن الحالي، ما يثير تساؤلات حول جدية السلطات في مكافحة هذه الظاهرة.

ونسبت وكالة الصحافة الفرنسية للمسؤولة في منظمة السلام الأخضر (غرينبيس)، بيلار ماركوس، قولها إن “هذا الفندق لا يزال قائما بسبب دعاوى جارية لمعرفة ما إذا كان يجب تعويض صاحبه، وبسبب غياب التحرك السياسي الفاعل”.

وكانت المحكمة العليا في إسبانيا قد حكمت بشكل نهائي بأن بناء هذا الفندق غير مشروع ويجب هدمه على الفور، لكن إلى حد اليوم لم يتم تنفيذ أمر المحكمة.

ولا يبدو الوضع مختلفا في لبنان، حيـث هنـاك شبـه استحالة في التـوجه إلى البحر مجانا بسبب خصخصة الشواطئ، وهو ما يزيد التكاليف على السياح.

ويروي حافظ جريج المعارض لمشروع بناء مجمع سياحي في منطقة أنفه شمال لبنان أن صاحب المشروع قال له “لا قيمة لإنتاج الملح بالطريقة التقليدية. اتركوا لنا هذه المنطقة الساحلية”.

وشهدت السنوات الماضية اعتراض وغضب ناشطين بيئيين ومن المجتمع المدني على مشاريع عدة تبنى على الشاطئ لكونها تتسبب في ردم مساحات منه، كان آخرها مشروع “إيدن باي” على شاطئ الرملة البيضاء في جنوب بيروت.

ويقول ناشطون لبنانيون إن المشروع غير قانوني لكون المنطقة تُعدّ أملاكاً عامة بحرية، فضلا عن كونها محمية.

ورغم كل إعلانات النوايا الصادرة عن المسؤولين في دول الضفة الجنوبية للبحر المتوسط للتصدي لعمليات البناء غير المشروع على تلك السواحل، فإن هذه الإعلانات ظلت جامدة، ولم تستطع الحكومات العربية فعل أي شيء ملموس حتى الآن.

نيكولا أولو: لدينا قانون أتاح الحماية من أعمال البناء للسواحل رغم الضغوط العقارية
نيكولا أولو: لدينا قانون أتاح الحماية من أعمال البناء للسواحل رغم الضغوط العقارية

ففي تونس، تسعى السلطات إلى تنظيم المشاريع السياحية في المدن المطلة على المتوسط ضمن قوانين صارمة حتى لا يتم المساس بالبيئة، وبالتالي المحافظة عليها.

وفي مصر، تصاعدت وتيرة البناء غير المشروع بعد قيام ثورة يناير على مختلف المناطق الساحلية وبالتحديد في منطقة الدلتا برغم تحذيرات كثيرة صادرة عن علماء وباحثين أجانب.

ويخشى الخبراء من أن التغيرات المناخية عبر ارتفاع درجات الحرارة ستؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط وإغراق 15 بالمئة من أراضي الدلتا في غضون السنوات الخمسين المقبلة.

ولن تكون فرنسا بعيدة عن هذه الفوضى مع عجز السلطات في وضع حدّ لها، وهو ما دفع البعض من النواب للمطالبة بتعديل القانون الحالي المتعلق بساحل البلاد.

ولدى فرنسا قانون خاص بالساحل منذ 1986 أتاح، بحسب وزير البيئة نيكولا أولو، تأمين حماية من أعمال البناء للسواحل الممتدة على 15 ألف كلم رغم الضغوط العقارية.

وطرح نواب الغالبية البرلمانية مؤخرا إعادة نظر في القانون، لكنهم تراجعوا بعد موجة استياء. ومع ذلك فإن التجاوزات لم تتوقف.

وفي جزيرة كورسيكا، حصلت جمعية للدفاع عن البيئة بعد دعوى رفعت قبل 20 سنة، على قرار قضائي لهدم فيلا شيّدها مستثمر سويسري ثري بدعم من رئيس بلدية بونيفاتشو على موقع مصنف في باراغوان.

ورغم قرار قضائي بالطرد، لا يزال كوخ أقيم بصورة غير قانونية في المجال البحري العام ويستخدم كمطعم في كالفي قائما، ويحقق سنويا أعمالا يقدر حجمها بنحو 700 ألف يورو. وقد فرض على صاحبه دفع غرامة يومية بقيمة ألف يورو اعتبارا من منتصف يونيو الماضي، بسبب عدم إزالته.

11