مشاريع التعريب في العالم العربي.. خلل في التنفيذ أم قصور في اللغة

في سنوات الاستقلال الوطني في العالم العربي، التي تزامنت مع بدايات ظهور الدولة الوطنية، طُرحت إشكاليات عديدة متداخلة متصلة بهذا المنعرج السياسي والتاريخي. وجدت الدول الوطنية الوليدة نفسها في مواجهة تحديات متداخلة، اقتصادية وسياسية وثقافية وهوياتية، كانت تمثل مجتمعة الأسئلة اللازمة لبناء الدولة. في ما يتصل بالمسألة الهوياتية والثقافية، والتي فهم القائمون على الدولة العربية الوليدة أنها ستنعكس مستقبلا على شؤون التعليم والمجتمع والثقافة، طرحت إشكالية التعريب: تعريب مناهج التعليم، والوثائق الإدارية والرسمية، ولغة التخاطب في وسائل الإعلام وفيغيرها من الفضاءات. كان المقصود من المشروع، آنذاك، الخروج من ربقة الاستعمار اللغوي والثقافي وتأصيل علاقة المواطن “المستقل” بلغته العربية.
الثلاثاء 2016/08/23
اللغة العربية ليست عاجزة عن التعبير عن المفاهيم العلمية الحديثة

كانت القضية عميقة إلى درجة لا تتحمل معها الارتجال أو الاندفاع أو التقاعس، ولذلك سارعت أغلب الدول العربية إلى التفاعل معها بطرق مختلفة، وفي ظل هذا الانشغال العربي بقضية ترسيم اللغة العربية وإعادة الاعتبار لها أو الانطلاق من لغة المستعمر لبناء الدولة والمجتمع (التصور البورقيبي مثالا)، تفاوتت طرق التصدي لهذا المشغل الملح، وظهرت تبعا لذلك تجارب مختلفة، باء أغلبها بالفشل الذريع.

كان فشل مشاريع التعريب في الأقطار العربية، مناسبة مواتية لمحاكمة الفكرة ذاتها لا طريقة التنفيذ، وطرحت قضايا استعيدت خلالها إشكاليات تبدأ من النهضة العربية وصولا إلى اللغة العربية وقدرتها على مواكبة العصر، مرورا بعلاقة هذه القضايا والمشاريع بشكل الأنظمة القائمة. وطرحت، تاليا، أسئلة إشكالية من قبيل: هل أن فشل مشاريع التعريب في بعض الأقطار العربية نابع من كون المشروع كان استعراضيا و”وفيا” للأنظمة التي تصدت لتنفيذه (مشروع التعريب في الجزائر جدير بالتأمل)؟ أم أنه مترتب عن

عدم قدرة اللغة العربية، ذاتها، على مواكبة ما يقتضيه العصر ومقولاته وتقنياته؟ هل كان مشروع التعريب الذي صمم على عجل وفي فترة صعود الأفكار القومية واليسارية ضرورة في تلك المرحلة، أم كان يفترض توفير الحد الأدنى من مقومات نجاحه بدل السعي المحموم لتنفيذه تبجحا أو استعراضا؟

لا تنتهي الأسئلة المتعلقة بالقضية، بالنظر إلى تداخل الفكري بالسياسي بالأيديولوجي، إلا أن ملاحظات منهجية وجب استحضارها، أولها أننا نقرأ فترة الخمسينات والستينات بوعي اليوم، وثانيها أن التعاطي مع فشل مشاريع التعريب في بعض الأقطار العربية والأسئلة التي أثارها، يؤدي إلى مسارين قد لا يبدوان على طرفي نقيض: المسار الفكري ومضمونه اللغة العربية، والمسار السياسي ومحتواه التجربة وتطبيقاتها، أي أننا على قناعة من أن فشل المشروع لا يقدح في جدارة اللغة العربية، إلا أن وجود تصورات مختلفة ومتناقضة في هذا الصدد جعلت طرح الأسئلة المطروحة آنفا ضروريا.

لو نظرنا فـي التجربة التونسية في الثمانينات من القرن الماضي مثلا لوجدناها تتنزل في إطار التصدي للمد اليساري والتقرب إلى الإسلاميين

التعريب لم يكن مشروع دولة بقدر ما كان مشروع فرد

د. إبراهيم بن مراد

من المفيد أن نذكِّر في البداية بأن علاقة اللغة العربية بالتعريب تعودُ إلى أربعة عشر قرنا خلت. فقد بدأتْ يوم فكرت السلطة السياسية العباسية في “تحديث” المجتمع الذي كانت البداوة غالبة عليه طيلة فترة حكم بني أمية. وكان من أهم مظاهر التحديث التفتح على ما كان يسمى “علوم العجم”، التي تقابلها في الثقافة العربية الخالصة “العلوم الإسلامية” ذات الصلة الوطيدة بالكتاب والسّنّة.

وقد نشأت عن العناية بعلوم العجم حركة علمية قوية نسميها “حركة الإنشاء” وكان من أهم وسائلها ترجمة النصوص العلمية والفلسفية من اللغة اليونانية خاصّة. وقد آتت هذه الحركة أكُلَها أثناء حركة الترجمة نفسها، فظهر علماء مبتكرون يكتبون بلغة علمية عربية صحيحة سليمة لا تثريب عليها بداية من منتصف القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي، منهم يعقوب بن إسحاق الكندي في الفلسفة وإسحاق بن عمران في الطبّ وأبوبكر الرازي في الطب والفلسفة معا.

وقد قويت حركة الابتكار أثناء ما عُرِفَ بالعصر الذهبي للثقافة العربية من القرن الرابع إلى القرن السابع الهجريين (من العاشر إلى الثالث عشر الميلاديين). وقد أصبحت اللغة العربية في هذه المرحلة من تاريخها لغة العالم الحية الأولى: تُتَعَلّمُ ويُكْتَبُ بها خارج حدودها ويُتَرْجَمُ منها.

ونظرا إلى أن قوة كل لغة أو ضعفها مرتبطان بقوة الجماعة اللغوية التي تستعملها أو ضعفها، فقد تدرجت اللغة العربية في الضعف بداية من القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي نتيجة انهيار العصبية السياسية العربية وبروز عصبية سياسية قوية جديدة خضع العرب لها هي العصبية التركية التي تضاءل دور العربية في ظلها حتى كادت تنحصر في الاستعمال الديني والصوفي.

التعريب ممكن شرط توفر الإرادة الصادقة

وقد تفطن العربُ، وخاصة مصر بعد الحملة الفرنسية عليها، إلى ضعفهم في بداية القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي فأرادوا التداركَ وفكروا في جعل اللغة العربية وسيلة من وسائل رُقِيّهم، فكانت “حركة الإحياء” التي شابهت “حركة الإنشاء” الأولى في مظاهر كثيرة من أهمها الاعتمادُ على الترجمة أيضا، ولكنهما اختلفتا في النتائج وخاصة ما تعلق منها بمنزلة اللغة العربية: فإن الأولى قد تولدت عنها حركةٌ في الابتكار العلميّ قويةٌ أصبحت العربية بفضلها لغةَ العالم الحيّةَ الأولى طيلةَ أربعة قرون على الأقلّ، أما الثانية فقد انقضى عليها الآن قرنان من الزمن لكنها لم تتجاوز بعد مرحلة الترجمة! أي أن العربية مازالت لغة ثانوية تابعة للغات العلميّة الأجنبيّة آخذة عنها مقتبسة منها! هي إذن حركة “التعريب” التي مرّ على انطلاقها قرنان من الزمن ولَـمَّا تَنْتَهِ بَعْدُ.

لقد أُنْشِئَتْ من أجلها مَجَامِعُ لغوية وعلمية، وكُلِّفَتْ بها منظّماتٌ قوميَّةٌ، وخُصِّصَتْ لها مراكز بحْثٍ ومعاهدُ من أجل التنظير لها وتطبيقها، ونُظِّمَتْ من أجلها المئات من الندوات والمؤتمرات العلمية، وأُلِّفَتْ من أجلها المئاتُ من القواميس المصطلحية ثنائية اللغة ومتعددة اللغات، وحَاولتْ تطبيقَها دولٌ عربية كثيرة في برامج التعليم العام والجامعيّ بل وفي الإدارة منذ بدايات القرن العشرين. ورغم ذلك كله فإنّ “التعريب” مازال مشكلةً قائمةً في الواقع الثقافي العربي. فلا المجامعُ والمنظماتُ والمراكز والمعاهدُ نفعَتْ، ولا المئاتُ من القواميس التي أُلِّفَتْ أفادتْ، ولا البرامج التعليمية والجامعية نجحتْ.

وتَتَسَاءَلُ عن أسباب هذا الفشلِ فتواجهكَ إجاباتٌ كثيرةٌ، نكْتَفي منها – لضيق المساحة – باثنتَين.

أولاهما هي أنّ العربية مُسْتعصِيةٌ على التعريب، غيرُ قادرة على التعبير عن المفاهيم العلميّة الحديثة. ومثل هذا القول ينطق به في الحقيقة إمّا الجَهَلَةُ الذين لا يعرفون شيئًا عن “حركة الإنشاء” وعن حركة الابتكار التي نتجتْ عنها وجعلتْ من العربية لغة العالم الحية الأولى مدّة قرون، فلو كانت عاجزة اليوم لكانت عاجزة بالأمس؛ وإمّا الكُسَالى المُتَشَبّعون من اللغات الأجنبية ولا يريدون تغيير عاداتهم في استعمالها، وخاصة في برامج التعليم؛ ثم إن اللغة وسيلة يستطيع المستعمل تطويعها لأغراضه في التعبير مهما تشعَّبَتْ إذا هو عرفها معرفة جيدة، وليست هي غاية في ذاتها.

مشروع التعريب في الجزائر طغت عليه العشوائية السياسية والأيديولوجية، ولم يعالج مسألة الاستقلال الثقافي واللغوي علاجا علميا ومنطقيا

وثانية الإجابتيْن هي أن نوايا السياسيّين في التعريب ليست صادقة. وهذه الإجابة وجيهةٌ لأن التعريب لا ينجح إلاّ إذا تبنَّتْه الدولة فكان مشروعا من مشاريعها، على أن تكون النية في التطبيق صادقة. وقد نجَحَ أثناء حركة الإنشاءِ لأنه كان مشروعا تبنّته الدولة وأنفقتْ عليه. أما اليوم فإن من المشاريع ما كان وسيلة لتحقيق غايات سياسية لا صلة لها بتعريب العلم وبتطوير العربية. ولو نظرنا في التجربة التونسية في السنوات الثمانين من القرن الماضي مثلا لوجدناها تتنزَّلُ في إطار التصدّي للمد اليساري وخاصة في الجامعة والتقرب إلى الإسلاميين، فلم يَكُن التعريب مشروع دَوْلَةٍ بقدر ما كان مشروعَ فَرْدٍ.

التعريب في الجزائر.. كثير من الأيديولوجيا وقليل من المنهجية

صابر بليدي

ارتبط مشروع التعريب في الجزائر، باستكمال تثبيت عناصر السيادة الوطنية، وتحقيق الاستقلال السياسي والثقافي واللغوي عن الاستعمار الفرنسي، وشكل أحد تجليات ذروة الدولة الوطنية المتشبعة بقيم الانتماء الروحي والحضاري، إلا أنه اصطدم بالتوظيف الأيديولوجي، والافتقاد لآليات التنفيذ الأكاديمي، إلى جانب كمائن الثورة المضادة المتمترسة في مؤسسات الإدارة والإعلام وكبرى المؤسسات، فكان مآله الفشل تحت ضغط النخب السياسية والأكاديمية والاقتصادية الموالية للمعسكر المضاد.

شكل إلغاء البند الدستوري في دستور 1989، القاضي بتعميم استعمال اللغة العربية في جميع مؤسسات الدولة، من طرف النخبة السياسية والعسكرية التي ألغت المسار الانتخابي في 1992 بعدما اكتسحته جبهة الإنقاذ الإسلامية، آخر إسفين في نعش مشروع التعريب في الجزائر.

وسواء طمست آخر معالم التعريب في الجزائر بهذا القرار أو غيره من القرارات، فإن بوادر الفشل كانت جلية أمام الجميع، فمع إلغاء النص بالتزامن مع وقف العمل بالدستور من طرف سلطة 11 يناير 1992، كان قد مر عقدان من الزمن على أول قرار لإطلاق مشروع التعريب من طرف الرئيس الراحل هواري بومدين في العام 1971، وهو ما يعني أن مصير المشروع كغيره من المشاريع الفاشلة للثورة الاشتراكية، التي تبنتها الجزائر المستقلة بعد الاستقلال في يوليو 1962، على غرار الثورتين الزراعية والصناعية.

يرى الخبير والوزير السابق علي بن محمد، أن مشروع التعريب في الجزائر طغت عليه العشوائية السياسية والأيديولوجية، ولم يعالج مسألة الاستقلال الثقافي واللغوي علاجا علميا ومنطقيا، فهو مشروع كان يحتاج للكثير من البحث المتعمق في كيفية تغليب موازين القوى من الطابور الذي تركته فرنسا في الإدارة والتعليم والإعلام والمؤسسات، وتهيئة الظروف والإمكانيات لكي تأخذ اللغة العربية مكانها الطبيعي في المجتمع، خاصة وأن مسألة الهوية ظلت محل تأجيل وإرجاء.

حين يكون المشروع متكئا على الأيديولوجيا يكون الفشل حتميا

وأضاف “صحيح أن نوايا الرئيس الراحل هواري بومدين وبعض معاونيه كانت طيبة وسليمة، لقطع دابر الاستعمار الثقافي واللغوي، إلا أن النخبة التي كلفت بتسيير وتنفيذ المشروع، هي أول العوائق، بسبب ولاءاتها للحضارة الغربية والفرنسية، وبسبب خشيتها على مصالحها ومواقعها، في حال إعداد نخبة جديدة تضطلع بقيادة البلاد، بخلفية فكرية مشرقية، إلى جانب إيلاء الجانب الدعائي الأيديولوجي الأهمية، على حساب خطط ودراسات المختصين، فلا كلام عن تعريب دون التركيز على المدرسة والجامعة كقاعدة أولى للمشروع”.

وعلى عكس بعض التجارب العربية المماثلة، فإن مشروع التعريب في الجزائر، أخذ طابع الصراع الفكري والأيديولوجي حول اللغة والهوية، وتمدد في مختلف القطاعات ذات الصلة كالإدارة والتعليم والإعلام، وتحول الاختلاف إلى عداوات بغيضة بين أنصار تمكين اللغة العربية والمدافعين عن القيم والثوابت الوطنية، وبين أنصار الارتباط اللغوي والثقافي بفرنسا، وما فتئ السجال يظهر ويختفي بمناسبة وبغيرها، رغم توجه النقاش المجتمعي مؤخرا إلى مسائل سياسية بحتة بين السلطة والمعارضة.

ويرى مختصون أن مشروع التعريب في الجزائر، حمل بذور فشله في ثناياه، لأنه اعتمد على الدعاية الأيديولوجية، دون أن يبحث كيفية بناء المدارس والجامعات، الكفيلة بإعداد الأجيال، واعتماده قبل حسم مسألة الهوية الوطنية، وهو ما سمح بتقديم مشروع التعريب في صورة عدو الأمازيغية، وهو ما أجج الصراعات وعَمّقها، فالبعد الأمازيغي المطروح منذ نهاية الأربعينات ظل محل تأجيل وإرجاء، إلى أن أخذ طابع العنف والصراعات السياسية، ، قبل أن تهتدي السلطة منذ العام 2008 إلى احتواء الموقف بدسترة اللغة الأمازيغية وإدخالها في المدرسة.

كما أدت سلطة الطابور الفرنسي، دورا كبيرا في إجهاض المشروع، وإفشال مساعي تمكين الغة العربية، خاصة في ظل الانتصارات المحققة للتيار الفرانكفوني منذ مجيء عبدالعزيز بوتفليقة للسلطة العام 1999، حيث صار اعتمادها على اللغة الفرنسية في خطاباتها ومؤسساتها، مطية للوبي الفرانكفوني لدحرجة اللغة العربية إلى مراتب متدنية.

وبين المتمسكين باعتبار الفرنسية لغة استعمار، وبين القائلين إنها غنيمة حرب، حسب تعبير الرئيس بوتفليقة في أحد خطاباته، تتأرجح فلول التعريب في بعض الفعاليات السياسية والجمعيات والنقابات المستقلة، بين مواقع الدفاع وردود الفعل التي لا تتعدى الظاهرة الصوتية، حيث لم تستطع التجديد لمشروع التعريب، وعلى اعترافها بفشل المشروع لأسباب متعددة، تكتفي بالتخندق وراء نفس الأسباب الأيديولوجية المرتبطة بالإسلام السياسي.

12