مشاريع السلام الاقتصادي

الاثنين 2017/05/22

يبدو أن الإدارة الأميركية الجديدة لديها مقاربات مختلفة عن الإدارة السابقة للسياسات الخارجية ولتفعيل دور الولايات المتحدة في التعاطي مع القضايا الدولية، ويأتي ضمن ذلك المجال المتعلق بالقضية الفلسطينية.

ولعل هذا ما تؤيده المعطيات المتعلقة بإرسال الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعدة مبعوثين للقاء القيادة الفلسطينية في الأشهر الماضية، من ضمنهم مبعوثه للشرق الأوسط جايسون غرينبلات، ثم دعوته الرئيس الفلسطيني محمود عباس لزيارته في البيت الأبيض، حيث تم ذلك وحظي باستقبال حافل، بل إن الرئيس الأميركي وعد برد تلك الزيارة بضمه مدينة رام الله، مقر السلطة الفلسطينية، إلى قائمة العواصم التي سيزورها إبان زيارته للمنطقة، والتي تشمل إسرائيل والمملكة العربية السعودية، في خطوة ذات مغزى.

الأمر الجديد الآخر أن الرئيس الأميركي ليس لديه ستاتيكو محدّد أو مسبق بشأن التعاطي مع القضية الفلسطينية، إذ أنه أوضح في أكثر من مرّة أن حل الدولة الفلسطينية ليس هو الحل الوحيد للتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن على الطرفين أن يقرّرا ما يريدانه إذا كان دولة فلسطينية أو دولة واحدة، أو أي شيء آخر.

كما أن معطيات التحرك الأميركي تفيد بأن الرئيس الأميركي ربما يفضّل نوعا من حل إقليمي يستوعب الحل الفلسطيني أو يدعمه، وفي نفس الوقت يشتمل على خلق مناخ سياسي إقليمي موات لعلاقات عربية-إسرائيلية مع إيجاد مؤسسات إقليمية وعلاقات تعاون اقتصادي.

من الصعب أو من المبكر التكهّن بطبيعة التسوية الإقليمية التي يعدها ترامب أو حدودها، والأمر على ما يبدو يتعلق بمحاولة فرض نوع من سلام إقليمي يشمل عدة دول عربية مع إسرائيل، ويتأسس على تعاون اقتصادي ونوع من التحالف السياسي يؤدي إلى تحجيم نفوذ إيران في المنطقة.

وللتذكير فإن بنيامين نتنياهو كان إبان رئاسته أول مرة للحكومة الإسرائيلية في أواخر التسعينات من القرن الماضي، طرح أفكارا من هذا النوع كبديل لاتفاق أوسلو تتعلق بالسلام الاقتصادي، لذا فإن هذه المقاربة الأميركية التي تجعل الاقتصاد قبل السياسة والعلاقات العربية قبل التسوية مع الفلسطينيين، أكثر قربا لهوى نتنياهو وحكومته خاصة أنهم يرون أن الوضع الإقليمي الراهن يمثل فرصة سانحة لهم لتغيير طابع العلاقات مع محيطهم العربي.

ويستنتج من ذلك أن إسرائيل معنيّة بالتجاوب مع المسار الأميركي المتعلق بالتسوية الإقليمية على خلاف ما جرى في التسعينات من القرن الماضي، إذ أن الأخطار التقليدية من الجيوش النظامية باتت من الماضي، لا سيما بعد الانهيار الدولتي والمجتمعي في العراق وسوريا.

على ذلك فقد بات ملائما لإسرائيل الاستثمار في التغوّل الإيراني والتخوّف العربي لإيجاد أرضية لتسوية إقليمية تنهي الصراع العربي الإسرائيلية. ولعل هذا ما يفسّر حماس إسرائيل لتوجيه ضربات متكررة لحزب الله في سوريا ولقوافل التسليح من إيران إلى لبنان في سوريا، والتحريض لدى الولايات المتحدة على إيران لإعادتها إلى خلف حدودها، بعد أن قامت بما عليها من المنظور الإسرائيلي والأميركي.

عن هذا الموضوع وربطه بالتسوية الإقليمية، كان رئيس المعارضة الإسرائيلية إسحاق هرتزوغ تحدث عن “الرغبة الإقليمية في الدخول إلى العملية السياسية بفضل حلفاء إقليميين جديين وأقوياء، وبفضل المصالح المشتركة لنا ولجيراننا، في القضاء على داعش وكبح إيران، والتقدم مع الفلسطينيين وبفضل مبادئ مبادرة السلام العربية.. بغطاء من إدارة ترامب”. بل إن إسحاق هرتزوغ دعا “إسرائيل إلى إقامة مؤسسات شرق أوسطية مشتركة تعمل على التطوير الإقليمي والتعاون في مجالات مختلفة".

يتّضح من ذلك أن طرح هرتزوغ يعيد التذكير بالمشاريع الشرق أوسطية التي طرحت في التسعينات من القرن الماضي، بعد مؤتمر مدريد للسلام (1991)، والذي تمخّضت عنه مفاوضات متعددة الأطراف بين إسرائيل والدول العربية، برعاية أميركية وروسية وأوروبية ودول أخرى، لمناقشة قضايا التعاون الإقليمي في قضايا المياه والبنى التحتية والبيئة والاقتصاد والأمن.

ما يفترض ملاحظته هنا هو غلبة فكرة المقايضة، أي مقايضة العرب بخصوص التنازل عن قضية فلسطين مقابل إسهام أميركي فاعل في حل قضايا المنطقة، ومن ضمنها محاربة الإرهاب ووضع حد لنفوذ إيران.

كاتب سياسي فلسطيني

9