مشاريع المصالحة الاقتصادية.. جدل محتدم والتعطيل سيد الموقف

ما فتئت مسألة المصالحة الاقتصادية والمالية مع رجال الأعمال والمؤسسات التي تحوم حولهم شبهات بالانتفاع غير المشروع من أموال الدولة زمن الأنظمة السابقة في كلّ من تونس ومصر، تثير كثيرا من الجدل بين أوساط النشطاء والسياسيين والخبراء المعنيين بمراقبة سير العدالة الانتقالية في هذين البلدين، بين رافض ومؤيّد، كلّ وفق ترسانة الحجج التي يستند إليها، ممّا أسهم بشكل أو بآخر في تعطيل هذه المشاريع إلى حدّ الآن رغم الإصرار الحكومي الظاهر على تفعيلها في أسرع وقت، وفق ورقة بحثية صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة.
الثلاثاء 2015/09/29
الاحتجاجات في تونس تضغط على الحكومة من أجل تعديل مشروع قانون المصالحة

القاهرة - تصاعد الجدل، مؤخرا، في بعض الدول التي مرت عليها موجة ما سُمّي بـ”الربيع العربي”، والتي استقرت نسبيا على غرار تونس ومصر، حول الاتجاه نحو سنّ تشريعات وقوانين تهدف إلى إجراء مصالحة اقتصادية ومالية مع بعض رجال الأعمال والشركات والمؤسسات الكبرى والمستثمرين العرب والأجانب وبعض صغار المستثمرين، الذين ثارت حولهم شبهة التعدي على المال العام في فترات سابقة، بين مرحّب بهذه الخطوة ورافض لها وفق زوايا نظر مختلفة لكلّ منها ما يبرّرها.

وفي حين اعتبر المؤيدون أنّ سياسة المصالحة إيجابية لأنها تمثل أداة لدفع عجلة الاقتصاد في تلك الدول، وعاملا جاذبا للاستثمار، فضلا عن أنها تجنب الدولة دفع غرامات كبيرة قيمة عقود التحكيم، علاوة على أنها تؤدي دورا إيجابيا في انتشار مناخ جديد من الثقة بين أطراف المجتمع، لا سيما الشعوب ورجال الأعمال، وبالتالي خلق مناخ سياسي مستقر، يراها الرافضون آلية سلبية لكونها تتناقض مع بعض مبادئ الثورات وتهمل جانب المحاسبة وتخل بموازين العدالة الانتقالية، وعلى الرغم من أنّ أصحاب هذا الرأي ذهبوا إلى حدّ اعتبار هذه الخطوة بمثابة عودة لسياسات النظم السابقة، إلا أنّ الحكومات الجديدة في تلك الدول يبدو أنها تسير في اتّجاه تفعيلها بخطى ثابتة وإن كانت بطيئة إلى حدود اللحظة.

إصرار حكومي رغم التعطل

تعتبر تونس ومصر من أبرز الدول الذي بدأت فيها الأنظمة الحاكمة الجديدة في تبني إستراتيجية المصالحة الاقتصادية مع عدد من رجال الأعمال من رموز الأنظمة السابقة؛ ففي تونس، تبنت حكومة الحبيب الصيد مشروع قانون كان قد اقترحه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي يهدف إلى إجراء مصالحة اقتصادية ومالية، حيث نصّ على وقف محاكمة رجال الأعمال والموظفين الكبار في الدولة المتورطين في “جرائم فساد مالي”، بشرط أن يعيدوا الأموال المستولى عليها بالإضافة إلى دفع غرامة حدّدت بنسبة 5 بالمئة من المبلغ الجملي المُتحصّل عليه عن كلّ سنة تمتعوا فيها بتلك الأموال، وقد تمت إحالة هذا المشروع إلى مجلس نواب الشعب من أجل المصادقة عليه.

الرافضون يرون أن المصالحة الاقتصادية آلية سلبية تتناقض مع بعض مبادئ الثورات وتهمل جانب المحاسبة

وقد دفعت هذه الخطوة خمسة من أحزاب المعارضة في تونس، فضلا عن عدد كبير من نشطاء المجتمع المدني لتكوين مجموعة تحت مُسمّى “مانيش مسامح” (لَنْ أُسامح) وتنظيم تظاهرات احتجاجية، للاعتراض على هذا القانون باعتباره مدخلا للتصالح مع رجال الأعمال “الفاسدين” الذين تمتعوا بامتيازات خاصة زمن حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وفق تعبيرهم.

أمّا في مصر، فقد سعت نظم الحكم المختلفة، منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011، إلى التصالح مع رجال الأعمال، حيث كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد أصدر مرسوما بقانون، في يناير 2012، يقضي بتعديل بعض مواد أحكام قانون الاستثمار رقم “8” لسنة 1997، والذي نص في مادته “7” مكرر على أنه “يجوز التصالح مع المستثمر في الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات التي ترتكب منه بصفته أو بشخصه أو التي اشترك في ارتكابها، وذلك في نطاق مباشرة الأنشطة المنصوص عليها في هذا القانون وفي أي حالة تكون عليها الدعوى الجنائية قبل صدور الحكم البات فيها”.

ويُشترط للتصالح أن يردّ المستثمر كافة الأموال أو المنقولات أو الأراضي أو العقارات محلّ الجريمة أو ما يعادل قيمتها السوقية وقت ارتكاب الجريمة إذا استحال ردّها العيني، على أن يتم تحديد القيمة السوقية بمعرفة لجنة من الخبراء يصدر بتشكيلها قرار من وزير العدل.

وعلى الرغم من الأصوات المعارضة في كلّ من تونس ومصر، إلاّ أنّ حكومتا البلدين تبدوان مصرتين على تفعيل هذين المشروعين بغضّ النظر عن تعطّلهما، وفق مراقبين.

وفي حين مازال المشروع التونسي متعطّلا إلى غاية الآن، إلاّ أنّ عملية المصالحة اتّخذت في مصر عدّة أنماط يمكن تصنيفها وفقًا للفئة التي تقُوم الحكومة بالتّصالح معها وتسوية ملفها، حيث يمكن تلخيص أبرزها فيما يلي:

* أولا التصالح مع رجال الأعمال الكبار: حيث قامت الحكومات المصرية المتعاقبة، منذ 25 يناير 2011 وحتى الآن، بالتصالح مع عدد كبير من رجال الأعمال الكبار من عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، مثل عمرو عسل بعد سداده لمبلغ 104 ملايين جنيه مصري أي ما يعادل 13.29 مليون دولار أميركي.

* ثانيا التصالح مع الشركات والمؤسسات: حيث دخلت الحكومات المصرية في عمليات تفاوض مع عدد من الشركات بهدف التصالح معها؛ مثل ما حصل مع شركة “آفاق” السياحية التي قامت بسداد 107 ملايين جنيه ما يعادل 13.67 مليون دولار أميركي، وشركة “رأس حوالة” للفنادق والتنمية السياحية التي قامت بسداد 25 مليون جنيه ما يعادل 3.19 ملايين دولار أميركي، فضلا عن سداد شركة “بلو سكاي” لـ 25 مليون جنيه والتنازل عن أقساط كانت دفعتها بقيمة 375 ألف جنيه مصري.

يُشترط للتصالح أن يردّ المستثمر كافة الأموال أو أو الأراضي أو العقارات محلّ الجريمة أو ما يعادل قيمتها السوقية وقت ارتكاب الجريمة

* ثالثا التصالح مع المستثمرين الأجانب والعرب: حيث نشبت خلافات عديدة بين حكومات ما بعد الثورات وعدد من المستثمرين الأجانب والعرب بشأن شراء شركات وأراضي بأسعار زهيدة عن قيمتها الأصلية من الأنظمة السابقة، لكن يبدو أن جهودا تبذل لحلّ تلك المشكلات بعيدا عن مسارات التحكيم الدولي، ففي أواخر أكتوبر 2014 كشف أشرف سالمان وزير الاستثمار المصري عن قيام الحكومة بتسوية 21 نزاع مع مستثمرين أجانب وعرب.

* رابعا التصالح مع المخالفات الاقتصادية المحدودة: وهو ما بدا جليا مع قيام الحكومة المصرية، في أغسطس 2014، بالإعلان عن سنّ قانون “التصالح في مخالفات البناء” في مقابل دفع مبالغ مالية في إطار عملية تقنين أوضاع المخالفين.

حجج الرفض والتأييد

في الوقت الذي ارتفع فيه الحديث عن مُبادرات المُصالحات المالية والاقتصادية في كلّ من تونس ومصر، عرفت الدولتان حالة من الجدل المحتدم بين المؤيدين للفكرة باعتبارها تمثّل حجر زاوية لعهد اقتصادي جديد، وبين الرافضين لها باعتبارها تمثل تكريسًا وعودة لسياسات الأنظمة السابقة.

ويستند الاتجاه المؤيد للفكرة إلى عدة حجج، يأتي في مقدمتها أنّ المصالحة ستوفر مخصصات مالية ضخمة قادرة على تحسين الوضع الاقتصادي المتردي في البلدين، خاصة مع ضعف أداء لجان استرداد الأموال المنهوبة. كما أنّها تُمارس دورًا محفزًا وجاذبًا للاستثمار الأجنبي والعربي، باعتبارها تبعث رسالة طمأنة للمستثمرين الأجانب مفادها أنّ الدولة تدعم المستثمرين عبر إبداء حسن النية من خلال المصالحة.

ويضاف إلى ذلك، أن المصالحة يمكن أن تجنب كلاّ من تونس ومصر خسائر مادية ضخمة، لا سيما مع رفع العديد من المستثمرين العرب والأجانب قضايا تتعلق بالتحكيم ضد الدولة؛ فمصر، على سبيل المثال، مهددة بدفع ما قيمته 18 مليار جنيه مصري (بما يعادل 2.36 مليار دولار) غرامة في ما يزيد عن 27 قضية تحكيم مرفوعة ضدها، وبالتالي فإن المصالحة يمكنها توفير هذا المبلغ الضخم، وهو ما يمكن توظيفه في مشروعات واحتياجات أخرى.

على الرغم من وجود تيارات رافضة لفكرة المصالحة المالية في كلّ من تونس ومصر، إلّا أنّ حكومتي البلدين لن تتراجعا عن الاستمرار في هذا الاتجاه

كما يشكل العامل النفسي من عملية التصالح إحدى أبرز إيجابياتها، إذ أنّها يمكن أن تفتح صفحة جديدة في العلاقة بين المجتمع وجماعات رجال الأعمال وكبار المستثمرين بعد سنوات من الخصومة، ممّا يساهم في ترسيخ حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي بعد عودة المال العام مرّة إلى المجتمعات، واستخدامه في دفع عجلة التنمية في تلك الدول خاصة للطبقات المتوسطة والفقيرة التي تعتبر الأكبر فيها.

وفي المقابل يرى الاتجاه الرافض أنّ هذه القوانين تتناقض مع مبادئ وأهداف الثورات التي انطلقت بالأساس لمحاربة الفساد والرشوة، وهو ما أكّدته مية الجريبي، الأمين العام للحزب الجمهوري التونسي، التي قالت إن “مشروع قانون المصالحة الوطنية يريد طي صفحة الفساد دون كشف الحقيقة والمساءلة وتحميل المسؤوليات، خاصة محاسبة من أجرم في حق هذا الشعب، ونهب من أمواله”.

واعتبرت الجريبي أنه “إذا تمّ العفو دون المحاسبة فسيُوجد خطر من إمكانية تكرار ما حدث في السابق”، مؤكّدة أنّ “سياسة تبييض الأموال مطروحة للعودة بقوة”.

بدوره أشار النائب بالبرلمان التونسي غازي الشواشي إلى أنّ “قانون المصالحة مخالف للمادة 148 من الدستور التونسي التي تنص على التزام الدولة باحترام وضمان مسار العدالة الانتقالية الموكل لهيئة الحقيقة والكرامة”. وبالتالي فإنّ القانون يعتبر، في رؤيته، بمثابة سطو على جزء هام من صلاحيات هذه الهيئة.

إجمالا، فعلى الرغم من وجود تيارات رافضة بشكل مُطلق ونهائي لفكرة المصالحة الاقتصادية والمالية مع بعض رجال الأعمال في كلّ من تونس ومصر، إلّا أنّ حكومتي البلدين لن تتراجعا على ما يبدو عن الاستمرار في هذا الاتجاه، لا سيما مع زيادة الحاجة إلى توفير موارد مالية كبيرة نسبيًا لمواجهة التحديات الاقتصادية المتعددة، علاوة على وجود رغبة جامحة من قبل رجال الأعمال والشركات ذاتها في تسوية تلك الملفات للعودة إلى الساحة الاقتصادية والسياسية من جديد.

6