مشاريع قوانين مخالفة لأحكام الدستور تمهد لأزمة سياسية في تونس

الأربعاء 2015/04/29
مشاريع قوانين عالقة بين أروقة البرلمان

تونس - أثارت العديد من مشاريع القوانين التي أكد خبراء ومراقبون أنها مخالفة لأحكام الدستور ومقتضياته، جدلا واسعا انطلق منذ بداية أشغال المجلس الوطني التأسيسي ليتواصل مع مجلس نواب الشعب الذي وجد نفسه أمام ترسانة من القوانين تنتظر المصادقة والتفعيل.

قدمت الحكومة التونسية برئاسة الحبيب الصيد مجموعة من مشاريع القوانين إلى مجلس نواب الشعب (البرلمان) للنظر فيها، إما للمصادقة عليها في صيغتها الأصلية أو تعديلها وفقا لمقترحات النواب حتى تستجيب لمقتضيات الدستور.

ويدور في تونس هذه الأيام جدل حول مشاريع القوانين التي طرحتها حكومة الصيد، حيث أكد العديد من الخبراء في القانون الدستوري والفاعلين السياسيّين أن الحكومة قدّمت قوانين مناقضة لمضامين الدستور وتتعارض مع فصوله وأحكامه المتعلقة بالحريات الفردية والجماعية إلى حدّ وصف بعضها بأنه “انقلاب على الدستور”.

وتعبّر مشاريع القوانين المقدمة، حسب تصريحات جوهر بن مبارك رئيس “شبكة دستورنا” لـ”العرب”، عن غياب وجهة تشريعية واضحة للحكومة والبرلمان، مفيدا بأن الرؤية السياسية يسودها الكثير من الضبابية باعتبار أن الحكومة تدفع بقوانين لا تستجيب لنصوص الدستور، وهو ما سيفقدها مصداقيتها أمام المواطنين.

جوهر بن مبارك لـ"العرب": مشاريع القوانين لا تعبر عن خط سياسي واضح للحكومة

وأفاد بن مبارك بأن الحكومة تنتهج سياسة تنم عن عقلية أحادية تكرّس التصادم بين السلطة والمجتمع المدني وهي سياسة “بالونات الاختبار”، أي أن الحكومة تطرح قوانين تتعلق بمحاور كبرى دون أن يكتمل النقاش حولها لتختبر ردود الفعل، وهو ما استهجنه محدّثنا، داعيا إلى ضرورة التعامل مع المجتمع المدني بعقلية تشاركية.

ولم يخف حقوقيون مخاوفهم من انزلاق مجلس نواب الشعب إلى الانحرافات التي قام بها المجلس الوطني التأسيسي فيما يخصّ التعامل مع القوانين والبطء في تسيير أعماله، فالعديد من مشاريع القوانين مازالت عالقة ولم يتم الحسم فيها مثل قانون الشراكة بين القطاعين الخاص والعام الذي يكتسي صبغة استعجالية، نظرا لأهميته في تلبية الاحتياجات المتزايدة للاستثمار العام.

وينتظر هذا القانون المصادقة منذ أربع سنوات ومن شأنه أن يساهم في تحسين الوضع الاقتصادي المتأزّم، وذلك بتوفير موارد مالية لمشاريع كبرى لا تقدر موارد الدولة حاليا على تلبيتها.

ومن القوانين الأخرى المطروحة على لجنة التشريع العام داخل البرلمان والتي لم تفعّل بعد، قانون المجلس الأعلى للقضاء، رغم أن الدستور الجديد في فصله الـ148 ينص على وجوب إرساء هذا المجلس في أجل أقصاه ستة أشهر من تاريخ الانتخابات التشريعية.

ورافق النقاش حول مجلس القضاء الكثير من التجاذبات لما يفتحه من حديث حول إصلاح المنظومة القضائية في تونس ومعضلة استقلالية القضاء التي حسم فيها الدستور بالتنصيص على أنه “سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل وعلوية الدستور وسيادة القانون”، إلاّ أن تركة الفساد والرشوة الثقيلة في صفوف بعض القضاة والموروثة من العهد السابق تحيل دون عملية الإصلاح المنشودة.

وتدافع كتلة الأغلبية البرلمانية المكوّنة من أحزاب نداء تونس والنهضة والاتحاد الوطني الحرّ وآفاق تونس، عن أداء نوابها وتنفي كل التهم التي تفيد بأنها تدفع بمشاريع قوانين مخالفة لأحكام الدستور، حيث أكد عبادة الكافي نائب عن نداء تونس ورئيس لجنة التشريع العام، في تصريحات إعلامية أمس الأول، أن البرلمان عقد العديد من جلسات الحوار للاستماع إلى مقترحات مختلف مكونات المجتمع المدني بخصوص ترسانة مشاريع القوانين المثيرة للجدل، مفيدا بأن النواب ملتزمون بالدستور باعتباره القانون الأعلى الذي يحدّد قواعد الدولة الأساسية.

وعرضت الحكومة التونسية منذ أسابيع قليلة مشروع قانون جديد على البرلمان لمناقشته والمصادقة عليه يتعلّق بـ”زجر الاعتداء على القوات المسلحة”، يهدف إلى حماية رجال الأمن من كل الاعتداءات التي قد تهدد سلامتهم وحياتهم، إلى جانب حماية المنشآت والمقرات الموضوعة تحت تصرفهم في ظل تصاعد أعمال العنف الموجهة ضدّهم من قبل الكتائب المتشددة والمجموعات الإرهابية.

مشاريع قوانين مخالفة لمقتضيات الدستور تدفع بها الحكومة التونسية ويعارضها المجتمع المدني

ويتعارض مشروع القانون هذا مع ما جاء في الدستور من تنصيص على الحق في الحياة وحرية التعبير والمساواة بين المواطنين، وطالبت منظمات حقوقية وأحزاب سياسية وهيئات نقابية بسحبه باعتباره يكرّس لنظام بوليسي ويخلق هوّة بين المواطن ورجل الأمن ممّا قد يتسبب في تهديد السلم الاجتماعي.

واستنادا لمشروع القانون لا تترتب على رجل الأمن عند قيامه بمهامه (حماية الممتلكات العامة والمواطنين) أي مسؤولية جزائية في حال تسبّب في إصابة أو موت المعتدي، وهو ما يمسّ من الحق في الحياة والحرمة الجسدية الذي نصّ عليه الدستور في فصليه 22 و23.

وتؤيّد بعض النقابات الأمنية هذا القانون وتطالب بالمصادقة عليه وتفعليه إلى جانب المصادقة على قانون مكافحة الإرهاب الذي يعدّ أحد أبرز القوانين العالقة بين أروقة البرلمان والذي يحتاج إلى مراجعات حتى لا يكون آلية لانتهاك حقوق الإنسان.

ولا يمكن لمجلس نواب الشعب المصادقة على أي مشروع قانون مخالف للدستور بقرار من المحكمة الدستورية التي لم يتمّ تركيزها إلى اليوم، باعتبار أن السلطة التشريعية لم تفعّل المجلس الأعلى للقضاء المكلّف بتعيين ثلث أعضاء المحكمة الدستورية.

ويحيل هذا البطء في التعامل مع مشاريع القوانين وإمكانية تجاوز الآجال الدستورية المحدّدة إلى عدم وجود خط سياسي واضح وأغلبية متجانسة في قراراتها وعارفة بأولوياتها.

2