مشاعر ثائرة

المرأة التي كسرت تابوهات مجتمعها الشرقي، وثارت على ذكوريته تقدم نفسها كجملة اعتراضية على خذلان بحجم الكون.
الاثنين 2019/12/23
الإهتمام أولا

إذا فقدت المرأة اهتمامك لا تنتظر منها رشدا في علاقتها معك، أو ما اعتدْت عليه منها، خاصة اذا أمعنت في تجاهلها، وإعطاء ظهرك لمشاعرها، لأنها لا تغفر التجاهل وتتحول وقتها إلى مخلوق ثائر على كل ما ضحّت به من أجلك، أو قدمته بطيب خاطر دون انتظار مقابل سوى اهتمام وحب يليقان بها.

عقول النساء لا تسكن الرؤوس، بل تسكن القلوب، المرأة تعطي الاهتمام أولوية قد تسبق الحب ذاته، بل إن الاهتمام بالنساء يعادل ويفوق نصف حجم مشاعر الكرة الأرضية مجتمعة في لمسة دافئة تشعرها بأنها ملكة في قلب من تحب، ومن حولها، هو الحب الذي تنتظره من الزوج، الأبناء، الأخوات، الأصدقاء، الزملاء، لأنه ببساطة عملتها الرائجة في بورصة الحياة، وزادها في عز ضعفها وقلة حيلتها أمام منغصات الحياة ومشاكلها.

يضيق صدرها ولا تتسامح في عدم الاهتمام، ولكن مع اعتياد التجاهل، تهدأ ثورتها، وتتبدل مشاعرها، وتعيد حساباتها، ترتب دون جهد أو عناء أهمية الناس في حياتها، وتمنح مشاعرها لمن يهتم بشؤونها والسؤال عنها والاطمئنان عليها دون أن تكترث إن كان قريبا أم غريبا.

قصة فتحية السبعينية التي تزوّجت برجل في الثلاثينات دليل قاطع على رفض المرأة التجاهل بأي صورة، وردة فعل طبيعية لحصدها النكران والخذلان من أولادها الذين امتصوا زهرة شبابها بعد ترمّلها شابة، رحل الزوج رحيلا مباغتا وهي ما زالت صغيرة، جميلة، عطشى لحلوى الحياة، ربت أبناءها بدور مزدوج لأم وأب في آن واحد، لكنهم تركوها في قارعة الطريق بلا رحمة، مارسوا ضغوطا نفسية تفوق قدرتها على الصبر والتحمل، طاقتها التي استنفذت لم تعد تستطيع شحن بطاريتها مجددا لتحمل مزيدا من الصدمات، وصلت لسن كبيرة وأصبحت في أمسّ الحاجة للسؤال عليها، والعطف على قلبها، لكنها لم تجد إلا جحوداَ.

ثارت على أبنائها بعدما ضيّعوا جزءا كبيرا من ثروتها دون فائدة، لكن المشاعر الثائرة لا تستطيع ممارسة فعل الاشتعال طوال الوقت، يمكنها أن تهدأ قليلا لتستعيد التفكير، وهذا ما حدث.

ظهرت فتحية السبعينية بروح الثأر على الوحدة وعقوق الأبناء لتعيد ترتيب حياتها من جديد مستنكرة تقدمها في العمر أو استسلامها لروح الهزيمة والنواح على ما ضاع من عمرها. أمسكت بالفأس وحطمت أصنامها، كسرت محرمات كثيرة في مجتمعاتنا العربية أهمها “زواج امرأة كبيرة السن من رجل أصغر منها بثلاثين عاما”، إلا أن فتحية الثائرة (كما أظن) تؤكد أن الإنسان إن أحب لا يهتم بكلام الناس.

وللوهلة الأولى فاجأتني فتحية بحبها للحياة وجرأتها، لكن بعد حديثها لمست وجع القلب من عدم الاهتمام والوحدة والعقوق، وكما تقول “أمومة لم تثمر إلا حسرة ونكدا”. وبلغ الوجع أوجه أنها “لا تبالي إن كان من تزوجته صادقا في مشاعره أم لا”، ولا يزعجها أن تذهب ثروتها لأبنائها أو لشخص غريب فالكل عندها بات سواء، امرأة ترهن عمرها بأهداب رجل لا تعرف إن كان صادقا أم كاذبا، هل أحبها من أجلها هي، أم طمعا في ذاتها، أم لأرصدتها البنكية نصيب من نظرته لها؟

ولم تحظ فتحية بتعاطف على مواقع التواصل الاجتماعي بعد تداول الفيديو الخاص بها، وتباينت ردود الأفعال، فكثير من استنكر فعلتها وثورتها، وأمعن في السخرية منها دون أن يكترث إلى أن حنان الأم أضحى قسوة، والحب والتضحية تحولا بفعل التجاهل إلى كراهية.

وأتساءل: كيف يعذب الإنسان قلبا أحبه؟ ما أصعب أن يشحذ الآباء الاهتمام من أبنائهم، والزوجة الحب والمودة من زوجها. فحقا: الاهتمام فعل الاحتواء ومن أجله تضحي المرأة بكل ما تملك. وهو أبسط شيء تنتظره من أولادها.

تلك المرأة التي كسرت تابوهات مجتمعها الشرقي، وثارت على ذكوريته، لم تفعل هذا لحركات نسائية تحررية، ولم يدفعها إليه ادعاء دور نهضوي، بل هي تقدم نفسها كجملة اعتراضية على خذلان بحجم الكون.

فلا تدفع من أحبّتك إلى شحذ الاهتمام منك، وإن استمريت في تجاهلها فلا تنتظر منها مثالية لأنها مخلوق ثائر يزرع الورد وحلمها أن تستنشق عبيره في كلمة رقيقة، ومشاعر دافئة، وقلق عليها، جميعها تنتهي إلى معنى الاهتمام، عوضا عن أشواك تدمي قلبها في كل خطوة.

21