"مشاعر عائدة إلى أرض الوطن" أفكار سعاد المعمرية

سلسلة أعلاق نفيسة في عمان تهتم بنشر عدد من النصوص العمانية ذات القيمة الأدبية الفكرية والتاريخية، وهي نصوص مفردة مع تقديم من الباحث إضاءة حول كل نص، بحيث تكون الغاية من ذلك لفت اهتمام الباحثين والقراء إلى كل نص على حدة.
الخميس 2015/09/17
رؤية عميقة للتطوير والنهوض بالمرأة والمجتمع

مسقط - صدر مؤخرا كتاب “مشاعر عائدة إلى أرض الوطن” بقلم سعاد بنت سعيد بن سيف المعمرية ضمن منشورات موقع بصيرة الإلكتروني بالاشتراك مع مركز ذاكرة عمان، ويحمل هذا الكتاب العدد رقم 3 ضمن سلسلة أعلاق نفيسة، وقام بضبط نصه الباحث سلطان بن مبارك الشيباني.

والكتاب المكون من 45 صفحة يضم مقدمة للباحث الشيباني ونص الكلمة التي ألقتها سعاد المعمرية في النادي العربي للنساء بزنجبار ضمن أمسية احتفائية بعودتها إلى مدينتها في حفل حضرته نحو ستين امرأة من نساء زنجبار.

تتسم الكلمة التي ألقتها سعاد بلغة عربية سليمة ومتقنة عبرت فيها عما تجيش بها نفسها من مشاعر وهي تعود إلى زنجبار التي فارقتها في مرحلة عمرية مبكرة. وتدلل الكلمة على مستوى الوعي الذي تحمله سعاد وعن الرؤية العميقة للتطوير والنهوض بالمرأة والمجتمع.

افتتحت سعاد كلمتها بتصوير مشاعرها وأحاسيسها تجاه الوطن، وكيف فارقته وهي صغيرة، ورجعت إليه بعد أن أكملت جيلا من عمرها، ثم أثنت على أهل مصر وما لقيته في تربتها الثانية من رعاية وعناية.

تقول المعمرية واصفة شوقها إلى وطنها “لقد كنت – يا سيداتي- وأنا في طريقي إلى وطني أود أن أدخل ماشية على قدمي لأسير وراء قلبي فأتذوق جمال الذكرى، وأستنشق عطر عهدي الأول، ولأحيّي تحية خالصة من أعماق نفسي كل أثر باق وكل تذكار سام من تلك الآثار التي ارتبطت بها نفسي إبان طفولتي”.

ثم تنتقل بعد ذلك للحديث عن بوادر النهضة التي ستأتي على بلاد الشرق العربية بعد زوال الحدود والحواجز، وتتحد الأوطان، ويسهل التنقل، وتتحد الثقافات وتكثر الصلات، ولم تنس سعاد مصر وما قدمته لها.

ويظهر حرص سعاد على كثير من الجوانب الأسرية، مركزة على أهمية العناية بالمرأة ودورها في التنشئة والعناية. فهي تشدد على ضرورة عناية المرأة بتعلم اللغة العربية، كما نجدها تشدد على ضرورة عناية المرأة بأولادها وعدم ترك تربيتهم للغير.

وفي الجزء الأخير من الكلمة تركز على أهمية التعليم منبّهة على الدور الذي يلعبه في حياة المتعلم وعلى ضرورة تدبر نفقات تربية وتعليم الأولاد، واصفة التعليم في قولها “التعليم يا سيداتي حلو المذاق، طيب الثمرات، وهو سلاح الحياة، ودرع يتقي به الإنسان غوائل الزمن، إنه ثروة، والمتعلمون أينما ذهبوا يكونون محل احترام ويستطيعون الحياة بعلمهم واجتهادهم”.

سعاد المعمرية ظلت تحن إلى وطنها الأم وتدافع بقوة عن حقوق المرأة والتماسك الأسري وساهمت في النهوض بالتعليم

ولدت سعاد بنت سعيد بن سيف بن سعيد المعمرية في زنجبار بالشرق الأفريقي وتقدر ولادتها سنة 1908، وتعود أصولها إلى أسرة عمانية خرج منها علماء ووجهاء، حيث كان مستقرهم في ولاية إبراء ببلدة المنزفة. وقد قدّر لهذه الأسرة أن تعيش قصة ارتحال عبر الأجيال المتلاحقة.

كانت مثال الجد والنشاط بامتياز ما لفت إليها أنظار مدرسيها، إلى أن حصلت على دبلوم مدرسة السَّنِيَّة للمعلمات، فلم تر الحكومة المصرية بدًا من تكريم هذا النبوغ، رغم صغر سنّها، فاختارتها في بعثة إلى إنكلترا، مع أنها غير مصرية، ولم يحصل من قبل في نظام البعثات المصرية، لأن البعثات قاصرة على المصريين فقط، لكن سعاد المعمرية لقيت تقديرا كبيرا لما بذلته في مستوى متقدم في السلك التعليمي المصري، وبقيت في مصر مدة تقرب من 33 سنة لتقرر بعدها العودة إلى زنجبار.

بعد 1946 بقيت سعاد المعمرية لمدة غير قصيرة في زنجبار، ولكنها عادت ثانية إلى مصر ولكن الصلات التي نتجت عن زيارتها لزنجبار منحتها أن يكون لها الدور الكبير في تنشيط حركة البعثات العلمية العمانية إلى مصر.

ثم عادت إلى زنجبار مرة أخرى سنة 1965، ولكن الأوضاع التي عاشتها زنجبار عقب انقلاب 1964 لم تتح لها فرصة مواصلة نشاطها، فانتقلت إلى بلدة “ممباسة” في كينيا، وقد تركت أثرا واضحا في نساء أفريقيا، وكانت تتقن التواصل معهن باللغات العربية والسواحيلية.

وفي السنوات الأخيرة من مسيرة عمرها الحافل بالجد والمثابرة عادت سعاد إلى موطن آبائها عمان لتستقر فيه مع أهلها، وتدفن في تربته عن عمر يناهز التسعين عاما سنة 1996.

15