مشاعر مؤجلة

الاثنين 2017/01/09

نحنحته المبحوحة تؤكد على وجوده، أسترق السمع لصوت كحة محبوسة تطمئن قلبي أنه مازال على قيد الحياة، أضع أذناي على صدره الذي يهبط فتتعدل أنفاسي معه، ويعلو فأتأكد أنه مازال يشهق ويزفر.

هل أصبح وجوده لا يعني إلا تلك الأصوات العبثية الهاربة من حنجرته خلسة، أو هذه العبرات المحبوسة في مآقيه تخجل من فك أسرها أمام أحد أثناء استيقاظه فيطلق لها العنان في نومه، أو ربما تغافله هي لتحل قيودها وتنساب في شجن، أراقب صوت ضربات قلبه لعلها تخبرني أنه مازال يشاركني الحياة.

ظللت على هذا الوضع ربما سنوات، أنتظر الموت الذي قذفه الطبيب في وجهي غير مبال بحالي وحال بناتي، حين أخبرني بأن زوجي مريض سرطان، أسقط في يدي، ماذا أفعل وأهله بهذا السوء، فمنذ معرفتهم بمرضه ينتظرون رحيله لاقتسام ما كافحنا لأجله، يتشممون الأخبار لا للاطمئنان عليه ولكن انتظارا لخبر سيجعلهم أثرياء من عرق زوجي، واقتساما لثروة هي حصيلة عمره وربما ثمن حياته.

ظلت الزوجة تنتظر الموت ملثمة بالحزن، ماتت وأسدلت الستار على حياتها وهي على قيد الحياة، أيّ عقل هذا الذي تفكر به، فالحياة تستحق أن نعيشها، أدركت بعد فترة أن لديها فتيات في عمر الزهور وأن الحياة يجب أن تعاش أولا، علينا الاستعداد للموت والعمل له ولكن أيضا علينا أن نحيا ونستمتع بكل لحظة في أعمارنا، نسعد أنفسنا ونسعد من حولنا، السعادة قرار ويجب أن نأخذه منذ اللحظة الأولى لإدراك الفارق بين الحياة والموت.

هناك أشياء كثيرة تحرض على الحياة، وتحفزنا على البقاء، لماذا لا أعيش من أجل أبنائي، من أجل نفسي، لإسعاد زوجي في ما تبقى له من أشهر، أيام، ساعات، لعله يستقبل الموت راضيا.

فكرت كثيرا في منح روحها الحرية المطلقة في طرق أبواب السعادة والانتشاء بكلمة، بهدية، ربما بعناق طويل، قبلة تحرض على المتعة أو هي المتعة ذاتها، نعيش أولا ثم نموت وما بين الحياة والموت مسافة يجب ألا نضيّعها في الأحزان والحسرة انتظارا للموت القادم لا محالة، ذلك الموت المجاني المبعثر في الطرقات، المخبأ في تفاصيل الحياة.

اصطحبت زوجها وبناتها في نزهة طويلة في بلاد لم تطأها قدماها من قبل، اقتسمت ثقافات بشر آخرين واستمتعت بآثارهم وتذوقت طعم السعادة، عاشت أحلاما كثيرة كانت مؤجلة من قبل.

منذ فترة وجيزة احتفلت وزوجها وبناتها بزواج الابنة الكبرى، أدركوا جميعا أن استعجال الموت يجلبه، واستعجال السعادة يخلقها ويديمها، حتى الطبيب المعالج دهش حين جاءته نتائج التحاليل تعلن انسحاب المرض القاتل وتقوقعه على نفسه، لم يستطع الانتشار في وجود كل هذا القدر من الطاقة الإيجابية والحب والرغبة في الحياة وأن اكتشاف طرق جديدة للتعبير عن الحب والسعادة كان له أثر يفوق ذلك العلاج الكيميائي، كما أن دعم الزوجة والأبناء للزوج المصاب كان محفزا جبارا لتدمير الخلايا السرطانية لنفسها.

اعترف لها الطبيب بأنها جنبت زوجها نمو المرض وسرعة انتشاره، أو انتقاله من مكان إلى آخر داخل جسمه وهذا ما يعرف بـ“السرطان النقيلي”، كما كان للدعم الاجتماعي والأسري والاهتمام والرعاية التي تلقاها الرجل عظيم الأثر في تحسن حالته الصحية، وتجديد رغبته في الحياة، وبدلا من انتظار الموت التمتع بالحياة.

أحيانا نحتاج إلى دعم الشركاء في الحياة لنا سواء كانوا أهلا أو أصدقاء أو زملاء عمل، وعلى رأس القائمة يقف شريك الحياة والأبناء فدعمهم هو المحرض الأساسي على البقاء، أحيانا نحتاج إلى من يقول لنا أننا مقبولون على ما نحن فيه، وأنه لا شيء على الإطلاق ينتقص من كوننا مميزين لدى شريك الحياة، نحتاج إلى إنعاش ذاكرة العشق وألا نركن إلى مقولة “فاكر أيام الخطوبة لما كنا نحب بعض”، كل يوم ينتظر أن نجعله ذكرى سعيدة ووقودا لأيام قادمة.

كاتبة من مصر

21