مشاغل صاخبة لرجل كان هادئا جدا

الأحد 2016/02/21
ثلاث صرخات خافتة من مدينة على البحر المتوسط

الشارع سحاب بنطال الحاكم

إلى يحيى جابر

ليس صحيحاً ما يقوله سليم بركات في مقاله (تشريد المكان عن أسمائه) “إنّ الساحة شبح الحاكم”. الساحة، وكل التماثيل الجصّية المدهونة بالنحاس الأحمر، تشهد: بطن الحاكم، ومعدته هي الأقبية، التي تخترق سقوفها وجدرانها المجارير، التي هي أمعاؤه، تلفّ وتدور وتتمدّد وتتقلّص وتمصّ له روح كلّ شيء.

***

وليس صحيحاً أيضاً، أن الشارع أزرار سترة الحاكم، كيف لشاعر له مثل هذه السمعة اللغوية المستطيرة، أن يشبّه الشارع الذي يتّصف بالاستطالة والامتداد والتواصل، بالأزرار التي لها شكل النقاط والدوائر، صغرت أم كبرت! الشارع.. يا شاعر، سحّاب بنطال الحاكم، أنتبه لدقّة التشبيه، سحّااااب بنطاااال الحاااااكم. لأنه منذ زمن بعيد، ما عاد يصحّ القول عن أيّ حاكم على وجه الأرض، إنه فكّ أزرار بنطاله وأخرج خرطومه العظيم وبال على الجماهير.

أو لماذا المبالغة، وكي لا أتّهم بنشر الأنباء الكاذبة التي من شأنها أن توهن نفسية الأمّة وعزم الجماهير، أخرج خرطومه المتوسط الحجم، وبال فقط على رؤوس ثلّة من المواطنين، سمح لهم رجال الأمن أن يقتربوا من المنصّة ويقفوا على مسافة محدّدة، وذلك ضمن الإعداد المسرحي للمشهد، حيث أنّهم بتوقيت واحد، سلّموا اللافتات التي كانوا يحملونها إلى من كانوا يقفون وراءهم، وأشعلوا قبعاتهم بعد أن رشّوا عليها بعض الكحول الأتيلي من الحوجلات البلاستيكية البيضاء الصغيرة التي توفرت في دكاكين السمانة القريبة. وقد أظهرت اللقطات التلفزيونية كيف راح المواطنون يتزاحمون لوضع رؤوسهم ذات اللهب الأزرق تحت شلال بول الحاكم، ليس بغاية إطفائها، كما قد يخيّل إليكم، بل لتتبارك ببوله، الذي، بأعجوبة، لم يتوقف حتّى أطفأ الرؤوس المشتعلة على آخرها، وخرج الخبر، دون كثير زخارف، أن الحاكم سكب ما كان يحتويه إبريق الماء الكبير الذي كان على المنصة، وأطفأ حريقاً شبّ بالصدفة بين الجماهير، والكلّ يعلم أنّه لا عود ثقاب يمكن له أن يشتعل بالصدفة تحت قبّعة الحاكم.

***

وهكذا ترى أنّي لا أجد مانعاً من موافقتك، إنّ الدولة، برمّتها، سماءً وأرضاً وبحراً، ومن النافل ذكر، حكومةً وشعباً، هي قبّعته. وإنّ الأسماء والألقاب والمناصب، لا أكثر من فتات خبز يابس يرمي بها إلى عصافير الزمن، على حدّ تعبيرك.

***

ولكن عصفور ماذا؟ عصفور من!؟

عصفوره هو وحده

عصفوره

هو

الزمن..

الرجل الذي اسمه موسى

إلى بسام حجار (2009-1955)

قال الرجل الذي اسمه موسى، إنّه رأى أفيالاً حديدية يمتطيها مردة برؤوس ذات قرون، يدخلون المدينة من كل أطرافها، وقال إنه هبطت من مؤخرات الأفيال ضفادع خضراء مبرقعة، ملأت الأحياء والأزقة، وراحت تصعد سلالم الأبنية، بقفزات متتالية، كلّ خمس درجات أو ستّ، بقفزة واحدة. ثم إنها ولجت البيوت من شقوق نوافذها، ومن عيون أقفالها، والفراغات الضيقة في أسفل أبوابها، ثم أخرجت جميع سكانها، وصنعت أعشاشها داخل غرفها. وقال، إن أناساً عديدين قتلوا، على مبعدة أمتار منه، وإنه رأى جثثاً ملقاةً على حافات الأرصفة، وأخرى ألقيت في حاويات القمامة، ورغم أنه لم ير من قتلهم، لكنه رأى بأمّ عينيه، عناكب كبيرة، ترمي شبكة من لعابها اللزج على صبيين، كانا يحاولان عبور الشارع، من رصيف إلى آخر، وبعد أن أحاطتهما بشبكة كثيفة من الخيوط الحريرية، كالشرنقة، بلعتهما، وعبأتهما في جوفها.

أظهرت اللقطات التلفزيونية كيف راح المواطنون يتزاحمون لوضع رؤوسهم ذات اللهب الأزرق تحت شلال بول الحاكم، ليس بغاية إطفائها، كما قد يخيل إليكم، بل لتتبارك ببوله، الذي، بأعجوبة، لم يتوقف حتى أطفأ الرؤوس المشتعلة على آخرها، وخرج الخبر، دون كثير زخارف، أن الحاكم سكب ما كان يحتويه إبريق الماء الكبير الذي كان على المنصة، وأطفأ حريقاً شب بالصدفة بين الجماهير

***

وقال الرجل الذي اسمه موسى، إنه عاد للمدينة، ثلاث عشرة مرة، بناءً على طلب من أقاربه، ليتفقّد أولئك الذين لم يستطيعوا اللحاق بهم، فرأى أناساً يهربون صوب الجبال المحيطة، يختبئون في الكهوف والمغاور وبساتين الزيتون، يقتاتون على السحالي والأعشاب وأوراق الأشجار، ويشربون من جور صغيرة موحلة، تترقرق فيها مياه أسنة.

***

وقال موسى: إن المدينة باتت مهجورة، وشوارعها مقفرة، حتى إن القطط والكلاب عافتها، وإن الذين لم يستطيعوا الخروج من المدينة، إما قتلوا وإما أخذوا، نصف عراة، ومقيدي الأيدي والأرجل، ومعصوبي الأعين، إلى أماكن لا يعرفها أحد. وقال موسى، إنه، أثناء عبوره النهر، طاف فوق مياهه الدم والسمك الميت، والتصقت طبقة سوداء لزجة على الصخور والأعشاب النابتة عند ضفتيه، وإنه تنتشر في الجوّ رائحة لم يشمّ مثلها من قبل، رائحة زنخة، خليط، موت طازج، وموت ينتن.

***

الرجل الذي اسمه موسى قال: إن أهله اليوم، غرباء في أماكن غريبة، عالقون في فجّ من الأرض، أرض جرداء ذات وهاد وقبب، ووديان وحفر، أهلها يتكلمون بلسان من حجر، يأتون لنا بالقليل من الماء والطعام، وهم واقفون على مبعدة، وكأننا، يقول، نجسون، ومصابون بمرض مقدّس، قابل للعدوى.

***

يقترب منهم أناس، يدفعهم الفضول، وعدم التصديق، ليروا الرجل السوري الذي اسمه موسى، وليسمعوه ويلمسوه، ليلمسوا أصابعه، وإن لم يستطيعوا، فإنه يكفي لمس طرف ثوبه، يصيح موسى السوري، بصوت من برق ورعد، وبعينين تقدحان شرراً:

(يا ربّ الذباب

والكلاب

والمطر

يا رب الجوع والدم والموت

يا رب الشياطين والبشر

يا رب الجنود

يا رب الوعود

دع شعبي يعود)..

الشعب يريد إسقاط النظام

إلى يوسف بزي

توقظني صيحة، أحد ما صرخ في الحلم: (الشعب يريد إسقاط النظام). من يصدق؟ أنا لا.. أظنّ أن الصوت قد دخل من النافذة، لا ليس من النافذة، زوجتي تقلّب محطّات التلفزيون، محطّة تلو الأخرى، تتوقف برهة، لسبب ما، ثم تتابع تقليبها، ولا ريب أنّ الصيحة قد خرجت من إحداها.

أسمع صيحة رجل لا أدري من هو، يختبئ في داخلي: (الشعب يريد إسقاط النظام)

***

أنظر وأسمع لتغريد العصفور الذي ابتعته منذ فترة قصيرة، علّني أجد به ما يسلو عني بمواجهة كل هذا الكدر، ويا له من تشبيه بسيط، هذا الذي يخطر على بالي الآن، وهو أنني في أفضل أحوالي، هذا العصفور، وأن وطني، في جميع أحواله، هذا القفص. لكن العصفور، فجأة، يفسد علي تأملاتي، ويصيح: (الشعب يريد إسقاط النظام). أيّ سذاجة هذه.

***

أسألها، فقط لأزيل الشكّ من رأسي، ما إن كانت قد سمعت صيحة العصفور: (الشعب يريد إسقاط النظام)؟ تجيبني، ليس بلا أو بنعم، بل: (وماذا تريد من العصفور في القفص أن يصيح!؟).

***

أنحني فوق مغسلة حمام الغسيل، منذ أسبوع لم أغسل وجهي، أسمع صوتاً كالحشرجة: (الشعب يريد إسقاط النظام). أ تراه خرج من البالوعة، أم من صنبور المغسلة؟ لا يوجد فم آخر في هذا الحمام! أم إن الغسالة التي لا تتوقف عن الدوران، مطلقة من جرنها صيحات بقدر ما تشاء، وهي تتظاهر بأنه لا علاقة لها بكل ما يحصل.

***

أسمعها وكأنها أغنية مازالت عالقة في أذني. وكأنها تصدح الآن، يصنعها ضجيج النهار، صوت لهاث الناس، أسمعها وكأنها تغنى على وقع خطواتهم المضطربة: (الشعب يريد إسقاط النظام).

***

أنا لا أريد شيئاً، لست في حاجة لشيء، حققت في حياتي كل أطماعي، أحببت، وتزوّجت، وأنجبت أطفالاً، واسترحت. أنا لا أريد إلا ما يريد الشعب، والشعب سمعته بكلتا أذنيّ: (الشعب يريد إسقاط النظام).

***

بالنسبة إليّ، كشاعر، لا علاقة له بالسياسة، ولا يدري صحّة هذه صرخة، أو جدواها، لكنني، أعلم أنها جاءت بعد كل تلك الصرخات: (حرية حرية حرية)، و(الشعب السوري ما بينذل)، و(ما في خوف بعد اليوم). صرخة واحدة جمعتها كلها، صرخة واحدة حزمتها وشدّت عليها بقبضتها، صرخة واحد وكأنها أمّ كل هذه الصرخات، صرخة واحدة صرخها الشعب، خرجت، كما قالوا، من فرن القلب، ومرت في سبطانة الحنجرة، صلبتها وصكتها الأسنان، ثم رطبتها الشفاه، ثم خرجت كطلقة من فوّهة الفم. وها أنذا واقف على الشرفة، تخفيني ظلمة دامسة، أسمع صيحة رجل لا أدري من هو، يختبئ في داخلي: (الشعب يريد إسقاط النظام).

شاعر من سوريا

14