مشاكل الاندماج في المجتمعات الجديدة

الاثنين 2013/09/16

يعاني المهاجرون بشكل عام والقادمون من الثقافة العربية والإسلامية بشكل خاص من الخوف من تمزق الهوية والضياع في البلدان الأوربية التي يعيشون فيها.

لذلك يلجؤون بكل ما يستطيعون إلى التشبث بقيمهم وعاداتهم ويقاومون الاندماج في هذه المجتمعات الجديدة ذات الثقافة المختلفة كليا عن ثقافاتهم الراكدة، وبذلك يبنون جدران عزلتهم بأيديهم ويحيطون أنفسهم بأسوار من التقاليد الميتة التي جلبوها معهم.

غير أن المشكلة الحقيقية تبدأ مع الأجيال الجديدة التي تنشأ في ظل هذه الثقافة المختلفة وغالبا ما يكون الضحايا من الأطفال والنساء خصوصا في ما يتعلق بمشكلة الشرف.

يعتقد الآباء بضرورة تنشئة أبنائهم على النمط الثقافي الذي ترعرعوا هم أنفسهم في أجوائه. وهذا ليس خطأ تربويا بحد ذاته، ولكن بعض الآباء يتطرفون حينما يجبرون أبناءهم على تبني نمط ثقافي أحادي معتقدين أنهم بذلك يحمون أبناءهم من شرور المجتمع الجديد المتمثلة فيالعادات والتقاليد الغربية.

إن هؤلاء الآباء ينسون أو يتناسون أن أبناءهم يعيشون في بيئة مغايرة وفي زمن مختلف ويتلقون كل يوم معارف وخبرات جديدة ومغايرة في مدارسهم، فالطفل مجبر في البيت على القيام بسلوك معين رضوخا لإرشادات الأبوين..

وفي المدرسة مجبر على القيام بسلوك مختلف تماما رضوخا لإرشادات المعلم، وهكذا يجد الطفل نفسه منقسما على ذاته فيصاب "بتمزق الهوية" لأنه لا يعرف بالضبط إلى من ينبغي عليه الإصغاء؟

وبما أن الآباء يستخدمون الإكراه والقسر والتحذيرات في التربية، على العكس تماما مما يجري في المدرسة، فإن الطفل سينحاز في النهاية إلى جانب المدرسة، أين يقضي الأطفال ثلاثة أرباع الوقت، وبالتالي تبني النمط الثقافي الذي يحذر منه الآباء، ومن هنا تبدأ المشاكل لأن الطفل سيفقد الثقة بأبويه وسيعد كل إرشاد بمثابة قسر مما يدفعه إلى التمرد ومخالفة كل ما يملونه، بدافع التحدي مما يجعله في النهاية شخصا عدوانيا فاقدا الثقة بنفسه وبالآخرين .

هذه المشكلة بالنسبة للأطفال ستتفاقم عند بلوغ الطفل سن المراهقة لذلك فإنه سيلجأ إلى الشارع بحثا عن أتراب له أو مجموعة معينة للانخراط فيها لكي لا يبدو ضائعا، ولأن الشارع يحفل بأصناف كثيرة من الشبان العاطلين عن العمل أو الذين يتناولون المخدرات ويسرقون المخازن فإن فرصة المراهق في حياة مستقرة ستكون ضئيلة للغاية، إن لم نقل معدومة لأنه في حال انضمامه إلى إحدى هذه المجموعات سيكون قد حكم على نفسه بالاغتراب عن المجتمع والذات.

هناك طريقتان للعيش في المجتمعات الغربية بالنسبة للمغتربين، الأولى هي الانخراط بالمجتمع الجديد وتعلم لغته ومعرفة ثقافته وبالتالي البحث عن عمل مناسب للاندماج بالمجتمع الجديد ومشاركة الآخرين في صياغة نمط مقبول من العيش المشترك، إذ يشعر الشخص المغترب في هذه الحالة أنه عضو في جماعة ويساهم في بناء هذا المجتمع الذي يعيش فيه وبالتالي يتخلص من عقدة الشعور بالدونية والاغتراب.

أما الطريقة الثانية فهي على العكس تماما، إذ يلجأ الشخص المغترب إلى مقاطعة المجتمع الجديد نهائيا والعيش بعزلة تامة خوفا من الاختلاط الذي يقود إلى تمزق الهوية والضياع كما يعتقد أصحاب هذا الرأي، لكن النتيجة المزرية التي تترتب على هذه المقاطعة في نهاية الأمر والتي يكتشفها الشخص المغترب بعد فوات الأوان هي الكآبة والخيبة وأمراض نفسية مضافة إلى الأمراض التي يعانيها أي شخص مغترب.

لا بد أن نشير إلى أن الجالية العراقية في هولندا تعد من الجاليات الثقافية، لوجود عدد كبير من المثقفين والفنانين والأطباء والمهندسين فيها، لهذا لا يمكن مقارنتها بالجالية المغربية أو الجالية التركية باعتبار أن هاتين الجاليتين من الجاليات الاقتصادية.

من هذا يتضح أن الجالية العراقية في هولندا تعد من الجاليات المنسجمة مع المجتمع الجديد لأنها اختارت الطريقة الأولى للاندماج بالمجتمع الهولندي ويمكننا أن نختار بعض الشرائح من الجالية العراقية استطاعت أن تثبت حضورها القوي في هذا البلد.

وبما أن الأمثلة كثيرة فسوف نذكر مثلا أن هناك أكثر من خمسين طبيبا عراقيا يعملون في المستشفيات الهولندية وعددا لا بأس به من الأساتذة يدرسون في الجامعات والعشرات من المهندسين الذين يعملون في الشركات الكبرى.

أما الفنانون والشعراء فلا يمر يوم دون أن يكون هناك معرض للفن التشكيلي في القاعات والمتاحف الهولندية، أو مشاركة لشاعر عراقي في الأماسي والمهرجانات الشعرية.

وتجدر الإشارة إلى أن الأشخاص الذين اختاروا أن يعيشوا العزلة ومقاطعة المجتمع الجديد على قلتهم، إلا أن ما يحصل لهم في حياتهم اليومية يثير الألم والحزن لأن هناك حالات من اليأس حصلت مع بعضهم وقاموا بالانتحار.

أكثر ما تعاني منه الجالية العراقية اجتماعيا في هولندا، هو الطلاق الذي يعصف بحياة الأطفال بعد افتراق الأبوين ويولد مشاكل إضافية خصوصا للفتيات اللواتي نضجن في هذا المجتمع وتربين على قيمه الثقافية والحضارية، فما إن تنضج الفتاة الصغيرة حتى يطلب منها أن ترتدي الحجاب بالقوة، وهنا تبدأ المشاكل وتتضخم وقد تصل إلى مراحل انتحارية تنتهي بهرب الفتاة من المنزل أو الموت على يدي والدها أو أخيها.

21