مشاكل تركيا لن تنتهي بعد إطلاق سراح برانسون

على الرغم من إطلاق سراح برانسون، لا يزال الكثير من الأميركيين ومن بينهم موظفون بالقنصلية الأميركية في تركيا يقبعون وراء القضبان لاتهامات بالإرهاب.
الاثنين 2018/10/15
تركيا لن تتخلص بسهولة من ضغوط ترامب

من المتوقع أن تستمر مشكلات تركيا المالية وعلاقتها المشحونة مع الولايات المتحدة، على الرغم من إطلاق سراح القس الأميركي أندرو برانسون الجمعة الماضي.

في البداية، كان رد فعل الأسواق باهتا على إنهاء احتجاز برانسون الذي استمر عامين، لكنه ما لبث أن تحوّل إلى ردّ فعل سلبي، مما يظهر أن الإفراج عن القس لن يكون كافيا لتبديد مخاوف المستثمرين من ضخ أموال في البلاد.

جرى إطلاق سراح برانسون الجمعة الماضي من الإقامة الجبرية التي فرضتها عليه محكمة في غرب تركيا، وذلك تحت ضغط من الولايات المتحدة، بعدما سحب الشهود إفاداتهم الرئيسية بصورة غامضة. لكن قرار الإفراج عن القس، الذي يعيش في تركيا منذ عقدين من الزمان، قد شابه الحكم الذي أصدره بحقه رئيس المحكمة بالسجن ثلاث سنوات وشهر بتهمة مساعدة منظمات إرهابية والتحريض على الإرهاب. وأُطلق سراح برانسون لحسن سلوكه مع الأخذ في الاعتبار الفترة التي قضاها رهن الاحتجاز.

ووقف الاقتصاد التركي الذي شهد نشاطا محموما بالفعل على شفا أزمة مالية كاملة في أغسطس الماضي بعدما دفع احتجاز برانسون الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى فرض عقوبات على وزيرين تركيين وزيادة الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألومنيوم من تركيا إلى المثلين. وشدّدت واشنطن وعدد من المنظمات غير الحكومية على أن برانسون بريء تماما من جميع الاتهامات المنسوبة إليه.

والآن يواجه اقتصاد تركيا ركودا شديدا بعد هبوط الليرة بنحو 40 بالمئة أمام الدولار مما أدى إلى ارتفاع التضخم وزيادة أسعار الفائدة. وعلى الرغم من إطلاق سراح برانسون، لا يزال الكثير من الأميركيين ومن بينهم موظفون بالقنصلية الأميركية في تركيا يقبعون وراء القضبان لاتهامات بالإرهاب تتعلق بمحاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في يوليو 2016. وثمة الآلاف من الصحافيين والأكاديميين والقضاة والموظفين الحكوميين لا يزالون محتجزين أيضا باتهامات مماثلة.

وتهدد تركيا أيضا بتوسيع نطاق عملياتها العسكرية في سوريا لتشمل مناطق خاضعة لسيطرة الولايات المتحدة وحلفائها الأكراد، الأمر الذي توعّد به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مجددا الخميس الماضي.

وتراجعت العملة التركية 0.2 بالمئة إلى 5.93 ليرة للدولار مساء الجمعة، لتبدد المكاسب التي حققتها قبل قرار المحكمة، بينما صعد مؤشر البورصة الرئيس بي.آي.أس.تي-100 بنسبة 1.7 بالمئة إلى 96313 نقطة.

وذكر تيم آش، الخبير الاستراتيجي المعني بالأسواق الناشئة لدى بلو باي أسيت مانجمنت في لندن، أنه أيا كانت نتيجة محاكمة برانسون، فإن تركيا تواجه مشكلات اقتصادية خطيرة ستتطلب منها على الأرجح أن تسعى للحصول على مساعدة صندوق النقد الدولي.

وقال آش في مذكرة مرسلة بالبريد الإلكتروني الجمعة، إنه على الرغم من معارضة أردوغان لطلب المساعدة المالية، يبدو أن تركيا ستتجه مرغمة إلى طلب العون من الصندوق الذي يتخذ من واشنطن مقرا له في غضون ستة أشهر، إن لم يكن في أعقاب الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في شهر مارس مباشرة.

وتتلخص نقاط الضعف الاقتصادية في تركيا في التضخم الذي ارتفع إلى نحو 25 بالمئة في سبتمبر، في حين تصل معدلات تضخم أسعار المنتجين إلى نحو مثلي هذا المستوى. وسعر الفائدة الأساسي البالغ 24 بالمئة، ارتفاعا من 17.75 بالمئة في سبتمبر، يبدو الآن غير كاف لكبح زيادات الأسعار.

وفي الوقت نفسه، أعلن وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق، صهر أردوغان، الأسبوع الماضي عن برنامج لمواجهة التضخم لم يتطرق إلى ذكر السياسة النقدية. وبدلا من ذلك، أعلن البيرق أن الكثير من الشركات وافقت على خفض الأسعار بما لا يقل عن 10 بالمئة، وقال إن الشركات ستتسلم ملصقات كي تضعها في منافذها التجارية لتبرز دعمها لجهود الحكومة.

لكن مبادرة البيرق أصابت المستثمرين ببعض الارتباك والحيرة. ووصف بول ماكنامارا، المسؤول عن استثمارات الأسواق الناشئة في شركة جي.إيه.أم السويسرية، هذه الخطة بأنها “هراء”، قائلا إنها ستفرض المزيد من الضغوط على هوامش أرباح الشركات.

وتحمل الشركات التركية على عاتقها أعباء ديون بالعملة الأجنبية تقدر قيمتها بنحو 170 مليار دولار يتعيّن عليها إما تمديد أجلها وإما سدادها في غضون سنة، وهو مشهد مخيف بعد هبوط الليرة. وقدم عدد من الشركات البارزة بالفعل طلبات إلى البنوك، ومعظمها محلي، لإعادة هيكلة قروض بعشرات المليارات من الدولارات. في الوقت نفسه، تضغط الحكومة على البنوك لخفض أسعار الفائدة على القروض حتى في ظل تسارع معدلات التضخم.

ويخضع بنك خلق، المصرف الذي تديره الدولة ويسيطر عليه صندوق الثروة السيادي التركي الذي يرأسه أردوغان، إلى تحقيقات تجريها وزارة الخزانة الأميركية بسبب انتهاك عقوبات على إيران، وقد تُفرض عليه غرامات بمليارات الدولارات. وتكهن بعض المعلقين الأتراك بأن أنقرة قد تتلقى تطمينات من واشنطن بأن تكون أي غرامة محدودة للغاية في نطاقها. غير أن ذلك من شأنه أن يخالف نهج وزارة الخزانة الأميركية تجاه مثل هذه التجاوزات التي ترتكبها بنوك أجنبية أخرى.

وكتب إلنور شفيق، وهو مستشار لأردوغان، في عمود بإحدى الصحف الجمعة قائلا إنه يتوقع “تغيّرات جذرية” في العلاقات الأميركية التركية بفضل إطلاق سراح برانسون. بيد أن شفيق حذّر من أن إغلاق ملف قضية برانسون “قد لا يذلل جميع العقبات التي نشهدها”.

وقال “لا يزال هناك الكثير من القضايا العالقة، خصوصا الدعم الأميركي للمسلحين في شمال سوريا الذين ينتمون إلى جماعة حزب العمال الكردستاني التي تشن حملة انفصالية في تركيا على مدى العقود الأربعة الأخيرة”. وأضاف “الأمر المحزن هو أن واشنطن لا تنظر إلى تركيا من نفس الزاوية التي تنظر بها إلى بعض حلفائها الرئيسيين مثل إسرائيل”.

6