مشاهدات زائر عربي في ماليزيا

ماليزيا أصبحت من الدول التي يتوجه إليها مواطنو دول عربية كثيرة، بعد تراجع الإقبال على تركيا، بسبب مشاكلها السياسية.
الأحد 2019/07/28
مانديلا في ماليزيا

الزيارة الميدانية إلى بلد ما تصحح ما يتعلق في الأذهان من معلومات قد يكون بعضها مغلوطا والبعض الآخر صحيحا، فهي تجعل السائح يرسم في مخيلته شريطا جديدا وحقيقيا عن البلد الذي يزور شوارعه بمحلاتها ومطاعمها والأماكن الطبيعية التي يمتاز بها، فلا أحد يستطيع أن يعبر عن سحر بلد ما ولكن العين توثقه بدقة.

كوالالمبور - لم أفكر يوما في قضاء إجازة صيفية في بلد آسيوي، فمصر مليئة بالشواطئ والمنتجعات المريحة، وإن كان لا بد، فالاتجاه إلى بلد عربي أو أوروبي أكثر إغراء وجدوى. وبعد فترة من التلكؤ والرفض والتأجيل رضخت للذهاب إلى ماليزيا شرقا.

حصلت على معلومات دقيقة تجمع بين مقومات الطبيعة الخلابة والنظام والنظافة، وبين الحوافز المغرية بالنسبة لعدم وجود تأشيرة دخول وتكاليف السفر والإقامة الزهيدة، كأن ماليزيا استطلعت هواجسي لتأكيد صواب الاختيار.

كنت ممانعا لهذه الزيارة لأسباب سياسية، حتى اطلعت على تصريحات لمسؤولين تشير إلى حدوث تغير في التعاطف السابق لبعض الحركات الإسلامية، عقب ضغوط مورست على كوالالمبور من دول مجاورة، وارتفاع حدة التهديدات الأمنية التي تمثلها الجماعات المتشددة وعدم استبعاد قيام تنظيم داعش الإرهابي باختراق مؤسسات مهمة في ماليزيا، إذا تمادت الحكومة في التسهيلات المقدمة لقيادات إسلامية بارزة، ومنها سوف تنتشر في المنطقة، وتنقل إليها توترات وصراعات لم تعهدها من قبل، وسط موزاييك ديني وعرقي معقد.

ذهبت إلى ماليزيا من باب التعرف على عالم جديد. وحاولت تنفيذ تعليمات رئيس تحرير “العرب” بالتفرغ تماما للإجازة مع الأسرة وعدم الانشغال بهموم العمل كي أعود أكثر نشاطا، فلم أستطع، وكتبت انطباعات ومشاهدات ربما تكون مفيدة في التعرف على حجم التحولات الجارية في هذا البلد البعيد.

وصلت إلى كوالالمبور في 20 يوليو الجاري، وشعرت وقتها بالانتقال من أجواء الصيف الحار في القاهرة إلى شتاء بلد أوروبي لا ترى فيه شمس تقريبا، وقد لا ينقطع عنه المطر.

حركة البشر في الشوارع توحي بدقة روتينية ومعتادة ونظام لا تخطئه عين، وحركة السيارات تسير على وتيرة متناغمة ومبهرة لمن تعوّد على طريقة “من يمشي صح خطأ”، في إشارة يستخدمها سكان القاهرة كدليل على عدم الاعتراف بالنظام العام في الشوارع والاعتراض الضمني على قوانين العقوبات الخاصة بالمرور وآدابه في مصر.

من الوهلة الأولى في العاصمة كوالالمبور تشعر بالارتياح وبأنها مدينة هادئة وعريقة، لأن المدن مثل البشر قد تألفها أو تنفر منها سريعا. ولم تمح المباني الشاهقة والأبراج المتراصة على جانبي الطريق والكثير من المرتفعات معالم نظيرتها القديمة. وإذا كانت الأولى تمتاز بالجاذبية والأناقة والخيال، فالثانية لا تزال تحافظ على عبق التاريخ وما يحمله من مكونات حضارية يلمسها الزائر مباشرة في تناسق الألوان التي تظهر في غالبيتها، والفضاء المزدحم بأنواع نادرة من الأشجار وجذورها المتمددة فوق الأرض وتحتها، وأعلى الجبال وفي أسفلها.

ترمز الألوان الخضراء والورود الزاهية التي تكسو المرتفعات والوديان والشوارع إلى النظافة والصحة والعافية والتفاؤل والأمل، وتعكس شيئا من الندم والحسرة والغضب عند من اعتادوا رؤية التفنن في تقطيع الأشجار وطغيان اللون الأصفر في بعض الدول العربية.

ونجحت ماليزيا في صناعة معجزة اقتصادية مبكرا، لكنها لم تستطع مواصلة الصعود لأسباب سياسية، بعضها يتعلق بمشكلات داخلية وعثرات واجهتها حكومات مختلفة، والبعض الآخر يتعلق بانتشار الفساد بين الطبقة الحاكمة، ما أرخى بظلال سلبية على بلد دخل دوامة من الأزمات بدلا من الحفاظ على القمة، بشكل أخذت ملامحه تزحف على حال شريحة كبيرة من الناس، باتت تترحم على زمن مضى وتشعر بالقلق من زمن آت.

الهبوط من القمة

مشاهير من الشمع
مشاهير من الشمع

من السهولة أن تلمس هذا الملمح في تعليقات البعض من البسطاء الذين فقدوا الثقة في سياسات رئيس الوزراء الحالي مهاتير محمد، وعبروا عن عدم التفاؤل بالولاية الجديدة له، وبدأت في مايو من العام الماضي، لأن مهاتير اليوم ليس هو مهاتير الأمس الذي ساهم في المعجزة الاقتصادية، وهو ما يكشف عمق التحديات التي تحيط بالرجل، ما كبله بواقع مرير، مرجح أن يفشل في تغييره، فصورته الإيجابية التي وضعته في مرتبة متقدمة في صف من بنوا ماليزيا الجديدة اهتزت كثيرا، ولم يفلح حتى الآن في العثور على أدوات ناجعة لتحصينها من التدهور.

فتّح الشعور بالإخفاق أو تراجع الأمل أعين شريحة كبيرة للتركيز على السياحة كمصدر دخل حيوي في الدولة، مع تراكم المشكلات الاقتصادية القاسية، التي يمكن أن تزيده ازدهارا أيضا، بحكم اتقان طقوسها، والموقع الجغرافي الآسيوي المتميز، وتعدد الأماكن التي تخطف عقول وقلوب السائحين من دول قريبة وبعيدة، والقدرة على تسويقها بنعومة.

أول شيء يقابله الزائر هو حديث يردده سائق السيارة يبدأ بالتعرف عليه ثم يقدم له، إذا عرف أنه غير ملم بمعالم ماليزيا، حزمة من الأوراق المصقولة ليختار الأماكن التي يريدها، وهي متشعبة وتخطف الأعين وتلبي جميع الأذواق، من الاسترخاء والثقافة والحضارة إلى اللهو والمتعة والترفيه.

من يريد التأمل في الطبيعة وروعتها يذهب إلى كهوف باتو (باتو كايفز) وأخذت اسمها من باتو سونغاي أو نهر باتو الذي يتدفق داخله، وهي أيضا اسم لقرية مجاورة، ومن المزارات الهندوسية الأكثر شعبية خارج الهند، ومكرسة لإله الحرب الهندوسي موروغان، ويتصدر تمثاله الضخم الواجهة.

تستلزم رؤية الكهوف الصعود من خلال سلّم بُني عام 1920 في حضن الجبل، ويبلغ ارتفاعه 272 درجة، وبصحبة قرود تتناثر على السلالم، ولا تتورع عن القفز حول من يصعدون ويهبطون وخطف متعلقاتهم الشخصية. وينصح العارفون ومن قرأوا عن كهوف باتو عدم حمل ما يغري القرود والطيور الموجودة بكثافة على اللعب مع البشر.

تنتهي الرحلة إلى أعلى بمجموعة من الكهوف وأماكن صغيرة للعبادات. ويقع في أسفلها مكان أكبر للعبادة مزين بأشكال ورسومات يتطلب دخوله خلع الأحذية احتراما وتقديسا وخشوعا. وحديقة للطيور وأخرى للحيوانات وشلالات من المياه تزحف ببطء، ملحقة بها بحيرة تطفو فيها أنواع مختلفة من الأسماك.

من يبحث عن المرح عليه الذهاب إلى “بيرد بارك” أو “سان واي لاغونز”، أو صعود برج كوالالمبور المعروف بـ”كيو أل تاور”، ومشاهدة معالم العاصمة من على ارتفاع حوالي 300 متر، والمشي على سطحه الزجاجي البديع، ورؤية من هم يمشون أسفله.

كهف الخيال
كهف الخيال

ودخل برجا “بتروناس التوأم” الخريطة السياحية لأنهما الأعلى في كوالالمبور، علاوة على الربط أو الرمز الخفي بينهما وبين برجي التجارة العالميين في نيويورك واللذين كانا هدفا لهجمات إرهابية في سبتمبر 2001، كما يقدمان عروضا ممتعة، وقريبان من منطقة معروفة بمطاعمها المتعددة ومتاجرها المشجعة على الشراء.

تبعد مرتفعات “جنتنغ هاي لاندز” السياحية عن العاصمة نحو مئة كيلومتر، وتضم مشاهد بديعة، حيث تتسلق السيارة جبالا شاهقة بسهولة يبلغ ارتفاعها 1740 مترا، لأن الطريق ممهد بسهولة، على الرغم من كثرة تعرجاته ومنحنياته، ويفضي إلى سوق تجارية مقسمة إلى جزأين، أحدهما في الشرق وبه محلات تبيع أشهر الماركات الأميركية والأوروبية بأسعار أقل وخارج المنافسة أو ما يعرف بـ”آوت لت”، والآخر في الغرب ويحوي سلسلة مطاعم وساحة كبيرة لألعاب الأطفال الترفيهية.

يتولى “سكاي واي” التلفريك عملية التنقل من الشرق إلى الغرب لمسافة تصل إلى نحو 3400 متر، ومعروف أنه الأسرع في جنوب شرق آسيا، في رحلة بين صعود وهبوط والعكس، تمكن من رؤية جبال عالية مليئة بالأشجار الوارفة من كل جانب، كأن هناك من تعمدوا زراعتها وحسن رعايتها، وقامت الأمطار المتواصلة معظم العام بمدها بالمياه اللازمة، وهو ما ساعد على تيسير مهمة سقياها.

كانت مفاجأة سارة عند زيارة مكان اسمه “اي سيتي” على مشارف كوالالمبور، ويحوي متحفا مبهرا لأهم الشخصيات السياسية والفنية والرياضية والعلمية في العالم وتبدو حقيقية عن بعد، على غرار متحف الشمع في لندن، وهو ما أتاح لي فرصة للوقوف بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترامب والملكة إليزابيث والأميرة ديانا ومادونا وسيلفستر ستالوني، والجلوس أمام زعيم جنوب أفريقيا الراحل نيلسون مانديلا، وتخيلت أنه عاد للحياة وبدأت في محاورته، والكثير من الشخصيات الشهيرة التي يحلم كل صحافي باللقاء معها وجها لوجه، مثل المهاتما غاندي وبيل غيتس ومارك زوكربيرغ.

العرب قادمون

 كهوف باتو، من المزارات الهندوسية الأكثر شعبية خارج الهند، ومكرسة لإله الحرب الهندوسي موروغان، ويتصدر تمثاله الضخم الواجهة
 كهوف باتو، من المزارات الهندوسية الأكثر شعبية خارج الهند، ومكرسة لإله الحرب الهندوسي موروغان، ويتصدر تمثاله الضخم الواجهة 

راودتني شكوك عندما سمعت أن ماليزيا أصبحت من الدول التي يرتادها عدد كبير من السائحين العرب، فهناك دول عديدة تمتاز بالشواطئ المطلة على البحار والمحيطات أكثر قربا منها، وثمة دول تمتلك من المقومات الحضارية ما يفوق كوالالمبور وغيرها من المدن الماليزية.

هذا صحيح، لكن الاحتراف الذي يتعامل به المواطنون مع الأجانب عموما، يؤكد أن السياحة من العناصر الحيوية في جسد الاقتصاد المترنح في هذا البلد، ولا تقل أهمية عن الصناعة الثقيلة والخفيفة التي انتعشت منذ فترة وتجلت مظاهرها في أشكال متنوعة، وتقاوم التراجع والتهاون فيما جرى تحقيقه من مكاسب بعد توطين عدد من الصناعات الغربية.

شهد التركيز على هذا الجانب رواجا لافتا، لأنه أدى إلى تراجع ثمن الماركات العالمية في الأزياء والأحذية الشهيرة، مقارنة بأسعارها في الدول التي تستوردها. تجد المتاجر الكبيرة منتشرة ومزدحمة، وربما لا يخلو شارع كبير في كوالالمبور من أحدها أو أكثر، وهي من بين طرق جذب مواطني الدول الآسيوية القريبة.

قد يكون هذا الملـمح هامشيا لدى البعض، لكنه في النهاية يمثل دافعا إلى المزيد من الإنفاق المادي السلس، ويؤدي إلى رواج صناعات مكملة تتغذى عليها السياحة في أي بلد. وساعد وجود جاليات وجماعات من دول قريبة على تصاعد المد الآسيوي في ماليزيا، الأمر الذي تظهر معالمه في ملامح المارة وتعدد لغاتهم ولكناتهم، وبدأ يمثل ازعاجا لبعض الأحزاب السياسية.

تترك كلمة “ميليشيا” انطباعا سيئا لدى من تلقى أمامه بعد أن اشتهرت في دول مثل ليبيا واليمن وسوريا ولبنان والصومال والسودان، لأنها تعبر عن الكتائب المسلحة غير القانونية والخارجة عن الشرعية، وفي معظمها ترمز إلى ذوي الجذور الإسلامية المتطرفة.

سمعت كلمة ميليشيا بلكنة إنكليزية ضعيفة من السائق عبدالله محمد، وهو من الأغلبية المسلمة التي تبلغ نسبتها حوالي 60 بالمئة، وتصورت أنه يتحدث عن حركات وعصابات متطرفة جديدة، مثل التي نعرفها في بعض الدول العربية، وأن داعش وأعوانه تمكنوا من الزحف على ماليزيا، لكن استرسال الرجل في الكلام وإصراره على النطق بكلمة ميليشيا ثم يقول هندية وصينية وإندونيسية وسريلانكية وفلبينية وهكذا، أدركت أنه لا يقصد كتائب مسلحة بل جاليات من هذه الدول تقطن في أماكن معينة، جلبت معها عاداتها وتقاليدها في المأكل والملبس.

تدفق أعداد كبيرة من أبناء الدول العربية ربما يؤدي إلى السير في ركب هذه الظاهرة خلال سنوات قليلة، فقد لاحظت ذلك في الشوارع. وكانت براهينه واضحة في كثافة المطاعم والمقاهي ذات الأسماء العربية، مثل القمر وطاجين من لبنان وطربوش السوري وحضرموت اليمني وأبوخالد الخليجي وفريد المصري، فضلا عن حرص المطاعم ذات الجذور الغربية مثل ماكدونالد وكنتاكي وفرايدايز وتشيلس على كتابة عبارة لحوم حلال باللغة العربية، لتبديد المخاوف التي تسيطر على بعض المسلمين عندما تطأ أقدامهم بلدا في الغرب أو الشرق، وجاءوا ومعهم ميراث خاطئ عن الآخر.

أصبحت ماليزيا من الدول التي يتوجه إليها مواطنو دول عربية كثيرة، بعد تراجع الإقبال على تركيا، بسبب مشاكلها السياسية. وتدرك حكومة كوالالمبور هذا التغير، وتعمل على تقديم المزيد من التسهيلات التي تجعلها مقصدا استثماريا رئيسيا لجانب من رؤوس الأموال العربية خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من التراجع الحاصل في المقاصد الاقتصادية المنافسة. وتعتزم التوسع في فتح آفاق واسعة أمام الفرص الواعدة، بما يساهم في تجاوز الأزمات التي تواجهها حاليا.

تشبه ماليزيا في تسامحها إندونيسيا المجاورة لها، وهو ما لمسته من خلال تعاملات المواطنين في البلدين، وقد تكون كوالالمبور أكثر انتعاشا ورواجا وصخبا من جاكرتا، ويشتركان معا في الخروج سريعا من شرنقة الكسل والفشل والرغبة في تصحيح الأخطاء، وقطع شوط جيد في مجال الديمقراطية والحريات السياسية، غير أن إندونيسيا تتقدم بخطوات سريعة وماليزيا بدأت مرحلة خطرة من الترنح الاقتصادي.

 مطاعم بأسماء عربية مثل القمر وطاجين من لبنان وطربوش السوري وحضرموت اليمني وأبوخالد الخليجي وفريد المصري
 مطاعم بأسماء عربية مثل القمر وطاجين من لبنان وطربوش السوري وحضرموت اليمني وأبوخالد الخليجي وفريد المصري

 

16