مشاهدات عائد إلى الموصل: كلما فتحت بابا توقعت أن ينفجر

دعا قائد الحملة العسكرية العراقية لاستعادة الموصل سكان المنطقة القديمة (وسط الجانب الغربي) والمناطق التي لا تزال خاضعة لتنظيم الدولة الإسلامية إلى مغادرتها في مؤشر على هجوم وشيك لاستعادة كامل المدينة، فيما تشهد المناطق التي تمت استعادتها عودة سكانها. وفي شهادة أحد العائدين نشر موقع نقاش نقلا عن صحافي، فضل عدم ذكر اسمه، مشاهد من الموصل، أم الربيعين التي طمس غبار الحرب ألوانها وكساها رمادا.
السبت 2017/05/27
التخلص من مخلفات "دولة الخلافة"

الموصل (العراق) - “المدينة تعيش هدوء ما قبل العاصفة”، هذا ما كتبه صحافي من أبناء الموصل عن الوضع في مدينته في الأسبوع الأول لسيطرة تنظيم داعش عليها؛ وعندما غادرها في الأول من يوليو 2014 لم يتخيل أن غيابه عنها سيطول وأنه لن يعود إليها حتى أواخر مايو 2017، ليجد الكثير من القصص المحزنة والمرعبة.

لأكثر من سنتين ونصف السنة كانت الموصل معزولة عما حولها. ومن يحاول الفرار منها يضع حياته على المحك بعدما رسمت ما تسمى بدولة الخلافة حدودها بدماء ضحاياها. لكن أشياء كثيرة تغيّرت بعد استعادة القوات العراقية نحو 90 بالمئة من المدينة، أبرزها عودة الحياة إلى الطريق الرابطة بين الموصل والعاصمة بغداد.

عبر نافذة التاكسي التي أقلّت الصحافي الموصلي ومن معه من العائدين من بغداد، كان الراكبون ينظرون إلى نقاط التفتيش المنتشرة بكثافة على الطريق الممتدة لمسافة (400 كلم) .

في محطة استراحة المسافرين المعتادة بمنطقة بيجي (210 كلم شمال بغداد) تلقى المتحدث صدمته الأولى. أصيبت المنطقة بدمار هائل قضى على مظاهر الحياة، لم يعد هناك بشر لقد فروا جميعا من هول الحرب بين القوات العراقية ومقاتلي داعش، بينما أكبر مصافي النفط التي كانت نواة هذه المدينة تعرّضت لدمار شامل.

بلغت السيارة ضواحي الموصل بعدما قطعت نحو (350 كلم) من المسافة. انحرفت التاكسي لتفادي الاقتراب من المعارك الدائرة في ما بقي من أحياء المدينة، والانضمام إلى الطابور الطويل الذي تشكّل أمام جسر منيرة العائم، حلقة الوصل البرية الوحيدة بين ضفتي نهر دجلة، فالجسور الخمسة التي تربط جانبي المدينة اشترك التحالف الدولي وداعش في تدميرها وكل منهما له مبرره.

عندما عبرت التاكسي الجسر العائم المرهون عمله بمزاج منسوب مياه النهر والواقع جنوب الموصل، شعر الشاهد بالارتباك فطوال فترة ابتعاده القسري عن المدينة كان يصبّر نفسه بأمل الحصول على الجائزة الكبرى، وها هو اقترب من نيلها.

أخيرا، ترجّل من السيارة التي بقي فيها سبع ساعات. طرق باب منزل يقع على الضفة اليسرى للنهر. وهناك بدأ يسمع بوضوح صوت المعارك والاشتباكات العنيفة فأدرك أنه يقف جوار الحرب. بالفعل لا يفصله عنها سوى النهر، وما دفعه للوصول إلى هذه النقطة ليس الفضول وحده بل أيضا الحصول على جائزته أي لقاء والديه وأشقائه الذين نجوا بأعجوبة من بين فكي الموت في الجانب الأيمن. بكي عندما شاهدهم. فلطالما خشي أن يفقدهم إلى الأبد كما حصل مع الآلاف من المدنيين.

جميع القصص عن الكارثة الإنسانية في الموصل تختزلها نظرة واحدة في وجه أي ناج من المعارك

لقد تركت فترة حكم داعش على وجوههم وأبدانهم آثارا واضحة، وجميع القصص التي تروى عن الكارثة الإنسانية هناك تختزلها نظرة واحدة في وجه أي ناج جديد من المعارك. عندما نظر إلى أحد أقربائه لم يعرفه لأول وهلة لم يبق من وجهه سوى الأنف والأذنين بعدما فقد الكثير من وزنه، لقد كان وجه ميت، شاحب وهزيل وحزين، لكنه كان يضحك.

سأله ما بك تضحك هل جننت؟ صرخ بوجهه “لقد نجونا لا أصدق ذلك، لم يعد هناك داعش صحيح؟”، وأطفالي إنهم يأكلون الشوكولاته التي حرموا منها لأشهر.

وعندما خرج إلى الشارع، كان من الواضح أن شبح داعش يطارد الناجين الجدد.

يقول الشاهد: تعجبت لما خرجت في جولة بالمدينة رفقة أصدقائي وكنا نستمع إلى الموسيقى وفجأة جفل أحدهم: أطفئ المسجل لقد جاؤوا! قال بصوت مرتجف لأنه رأى سيارة من النوع الذي يركبه عناصر الحسبة. كم ذلك مؤلم.

كان الصحافي العائد يتوق لزيارة منزلهم. توجه إليه بعد رحلة يقول إنها كانت محفوفة بالمخاطر قطعها ذهابا بثلاث ساعات، في حين أنه في الوضع الطبيعي كانت لا تستغرق سوى 15 دقيقة. مرّ عبر نقاط تفتيش كثيرة مرورا بالجسر العائم اليتيم الذي يؤدي إلى الجانب الأيمن.

ولما اقترب من مشارف المدينة كانت هناك سيارات عسكرية تنقل الزائرين والعائدين. ثم أكمل الرحلة سيرا على الأقدام بسبب منع حركة السيارات، فالأحياء التي تمّت استعادتها منذ وقت قصير مازلت تعد ساحة حرب لقربها من المعارك. كان الجو مشحونا بدخان أسود يتصاعد من الأحياء التي تشهد قتالا عنيفا.

“إياك ومصائد المغفلين”، حذّره رجل كان خارجا من الحي. هذه المصائد عبارة عن مجموعة عبوات ناسفة مربوطة بأسلاك رفيعة زرعها عناصر داعش على الطرقات لاستهداف القوات العراقية المهاجمة والمدنيين، وقد راح ضحيتها العشرات بين قتيل وجريح.

يقول الشاهد “لقد كنت أسير بحذر شديد حرصت على الالتزام بالطريق السالك متتبعا آثار أقدام المارة، وعندما دخلت الحي كنت أشاهد الدمار وأنا مصدوم، ما شاهدته من قبل لم يكن سوى 10 بالمئة من الأهوال”، “هل أنت مجنون كيف تعودون إلى منزلكم وسط هذا الدمار؟” قلت لصديقي وأنا أتفحّص ثلاثة منازل مجاورة لمنزله قد سويت بالأرض تماما وعلى بعد أمتار ثمة مصيدة لم يتم تفكيكها.

كان الحي مثل مريض خرج توّا من عملية جراحية كبرى لاستئصال ورم خبيث ومازال تحت تأثير المخدر. كل شيء هناك يدعو للبكاء، العشرات من المنازل مهدّمة وأغلب السيارات المدنية صارت كرات حديدية.

هناك شاهد جثثا للمتطرفين لا أحد يكترث لها، المارّون يسدون أنوفهم من الرائحة المنبعثة منها ويلعنونهم. أحدهم خاطب جثة متفحمة مستهزئا: لقد ضحكوا عليك بالحوريات والآن أنت جيفة في مكب النفايات.

عندما اقترب من منزله دقق أحد عناصر الشرطة في هويته ثم رافقه وهو يقول “يجب أن تكون حذرا من المحتمل أن يكون مفخخا، بالأمس قتل مدني عندما فتح باب منزله فانفجر عليه، لقد صنعوا الفخاخ في كل مكان”.

يصف لحظة دخوله “دخلت وأنا خائف، كلما فتحت بابا توقعت أن ينفجر، كانت هناك فوضى، لكن المنظر المؤلم حقا كان تحت السلم الكونكريتي حيث كان والداي وأشقائي يحتمون خوفا من القصف.

عدد من الصحون فيها بقايا خبز ومرق، هو ما تركته عائلتي من عشائها الأخير ثم فرّت نحو القوات العراقية، وأخشى أنها لم تعد تفكر بالعودة إلى هذا المنزل مرة أخرى”.

6