مشاهدات محمد علي باشا الصغير في سراييفو وموستار عام 1900

الأحد 2013/09/08
الأمير كان يعشق الرحلات ويكتب عنها

الأمير محمد علي باشا توفيق ولد بالقاهرة (1875 ـ 1954) ابن الخديوي محمد توفيق وشقيق الخديوي عباس حلمي، وكان وصيا على العرش ما بين وفاة الملك فؤاد الأول وجلوس ابن عمه الملك فاروق على عرش مملكة مصر لحين إكماله السن القانونية بتاريخ 28 أبريل 1936م، ثم أصبح وليا للعهد إلى أن أنجب فاروق ابنه الأمير أحمد فؤاد الثاني.

كان يأمل أكثر من مرة أن يتولى حكم مصر بعد وفاة الملك فؤاد الأول بحكم أن الملك فاروق الأول كان صغير السن ولكن بحكمة الملكة نازلي لم يستطع فعل ذلك. كان مولعا باقتناء الخيول العربية الأصيلة، والسفر، وكتابة يوميات رحلاته. وله في هذا السياق العديد من المؤلفات.

هنا لمحة عن رحلته إلى البوسنة، سراييفو وموستار في السنة الأولى من القرن العشرين. مشاهداته تكشف عن جمال الطبيعية ملامح من الحياة البسيطة للبوسنيين والصربيين والمؤثرات التركية.

"لما أن قضيت سياحتي في أوروبا عام 1900 وانثنيت من باريس معرّجا على (فيينا) عاصمة بلاد النمسا شرعت هناك في رسم خطة أسير على مقتضاها فعنّ لي أولا أن أجعل مبدأ سيري إلى بلاد البوسنة والهرسك من فيينا إلى بودابس عاصمة بلاد المجر ثم منها إلى بنيالوقا ومنها إلى ياسي فالي طراونيق ومنها إلى سراجيفو عاصمة بلدان البوسنة ثم استأنف منها السفر إلى مسطار، أو موسطار أو موستار عاصمة الهرسك لأشرف على مرائي الطبيعة البيضاء لعلي أنفح الروح بنفثة من نورها البليل وأتنسم جوّها الصاحي ونسميها العليل".

وفي الطريق يصف الأمير محمد علي مشاهداته في البوسنة العثمانية فيقول: "وفي غضون ذلك كنت أجد مستخدمي محطة القطار مرتدين الثياب التركية حتى خلتنى وأنا بينهم في بلاد عثمانية أو بين معشرأتراك. وقد لفت نظري هنالك رجل ناف بطوله على المترين وعرفت أنه حارسي من أنه كان يلاحظ النظام.

وأذكر أنه لم يقع نظري في تلك الجهات على رجل في طوله. أما من كانوا يتوافدون على المحطة من الأهالي فملابسهم في الغالب كملابس الكرجيين (وهي السلطة والسروال) غير أنهم يتعممون بعمائم حمر.

وقد لاحظت على فتيانهم أنهم يضعون العمائم على فودهم فتكسو ناحية من الرأس وتدع باقيها مكشوفا حاسرا وأظن أن منشأ ذلك هو الإعجاب بزهو الحداثة ومخيلة الشباب وينتعلون في أقدامهم أحذية كأحذية (أولاد البلد) عندنا وهي المسماة (بالراكيب) غير أنها غريبة في شكلها إذ كانت ذات نعل سميك ممتد بطول القدم على جوانبه سياج من الجلد وهو أقل ارتفاعاً من المعروف هنا ويختلف في ملابس الأغنياء عنه في ملابس الفقراء بفرق قليل هو أن أولئك يضعون في زمن البرد عليه غطاء من الجلد آخذا من رؤوس الأصابع إلى ما يلي مفصل القدم. وهؤلاء يتخذونه من الخرقة ونحوها.

وعلى كل حال يشدّ ذلك الغطاء بأربطة على ظهر القدم. وكنت أرى في نفس أولئك القوم وداعة وفي أخلاقهم لطفاً وفي عرائكهم لينا، ولعل ذلك كان من أنهم لا يمرّ بهم السياح كثيرا كما يمرون بغيرهم فيجدون منهم ائتلافا وبهم ائتناساً".


في موستار

أما النساء المسلمات فيلبسن (الفرجية) وينتقبن ببراقع تستر كل الوجه، غير أن لكل واحد فرجتين بإزاء العينين بقدر ما تسع خيوط النظر.


ومن مشاهدات محمد علي باشا وأخباره في موستار ما يرويه عن واقعة حال، يقول إنه لا يرى بأساً من ذكرها، وهي "أنه موجود في مسطار كما هو موجود في غيرها مدارس للرهبان ويدرسون فيها علومهم ويبثون عقائدهم، وفضلا عن ذلك فهم يدعون إلى النصرانية مع من يقع تحت أيديهم من المسلمين.

وقد وقع أن تدين بدينهم اثنتان من النساء المسلمات واستدعى ذلك أن دب الهرج والمرج في جماعة المسلمين هنالك وبلغ منهم الغيظ والتذمر مبلغاً عظيما ولكنهم رأوا من العقل والأناة أن يرفعوا شكواهم إلى جلالة امبراطور النمسا الذي لم ير أن يهدئ نفوسهم ويسكن ثائرتهم إلا بالسكوت عنهم وأن يغلق في وجه تلك الفتنة هذا الباب. فلم يجبهم على شكايتهم بجواب. فحسب ذلك الرجل أننا جئنا من تركيا بهذا الصدد ولذلك كان يدأب بسعيه على كشف الحقيقة ويتابعنا بما لا يقل عن سعي المخبرين ولا أظنه إلا كذلك".


بين صربي ومسلم


والأهالي الذين يقومون بحراسة بهائمهم ليلاً يأوون إلى أكواخ وقتية يبنونها بجذوع الشجر وصنوانها وهي تشبه في هيئاتها منازل أبناء الصرب، حيث أن جزءًا من سكان البوسنة والهرسك أصلهم صربيون غير أن ملابس أهالي البوسنة كلها على طراز واحد من غير تمايز بين الصربي العنصر والبوسنوي العنصر والمكان، والذي يراهم لا يشك في أن فيهم وداعة ومسالمة مع ما فيهم من بسالة الأتراك وشجاعتهم.

وأما حيواناتهم الداجنة كالخيل التي ذكرناها آنفاً وغيرها من البقر والثيران والضأن والمعز فصغيرة الحجم ضئيلة الجسم. وقد كنت ألاحظ على فلاحيهم أنهم كسالى لا تبعثهم عزمة ولاتنهضهم إلى الشغل همة.


نساء مبرقعات

كنت أرى في أولئك القوم وداعة وفي أخلاقهم لطفاً وفي عرائكهم لينا، ولعل ذلك كان من أنهم لا يمر بهم السياح كثيرا كما يمرون بغيرهم.


أما النساء المسلمات فيلبسن (الفرجية) من الطراز الذي كان على عهد المغفور له السلطان عبد العزيز وينتقبن ببراقع تستر كل الوجه، غير أن لكل واحد فرجتين بإزاء العينين بقدر ما تسع خيوط النظر، ولذلك كان من النادر أن يرى الإنسان وجوه أولئك السيدات.

وينتعلن الأحذية السواري. ومن عاداتهن أن لا يخرجن من بيوتهن ولا يتجازون خدورهنّ إلا للحاجات التي تستدعي الضرورة خروجهن فيها كالسياحات مثلا.

وقد كنت ألاحظ أن أطفالهم صفر الشعور غير أن ذلك لا يصاحبهم إلا وهو في دور الحداثة وإذا ما شبوا إسودّت شعورهم. ومما يمدحون عليه رعايتهم لصحة أبنائهم واعتناؤهم بنظافتهم. وقد فاتني أن أذكر أن رجالهم يجدلون شعورهم ويضفرونها حتى تصير خصلة واحدة يرسلونها على القفا أو ناحية من الرأس.

وهي شبيهة بضفائر (التتار) (والصينيين) ولا أظن إلا أن تلك العادة سرت إليهم من (المنجول) أو (الها) أو (الترمان) الذين لابد أن بعضهم مروا بتلك الاقطار وسكنوها حينا من الدهر حتى البلاد التي كانت محوطة بسيادة الأتراك مشمولة بحكمهم وقد سلخت منهم وتأمّر عليها سواهم.

وعن طبيعة هذه البلاد يقول الأمير محمد علي: أما جبالها فلم تبلغ في الارتفاع والمنعة مبلغ غيرها ولا يلزم الذي يحاول طلوعها أن يكون أصله من سكان (الألب)، ولكنها جميلة الشكل بديعة المنظر تعتليها حواجز كثرة أغلبها قصيرة الارتفاع وقد أقيمت ثمة لتكون سياجا لها يعلو تلك الجبال من المزروعات. ومما لا أعرفه إلا في تلك الجهات أن كل شيء فيها قصير اللهم إلا الرجال.

14