مشاهدو التلفزيون جماهير وليسوا جمهورا واحدا

الأربعاء 2015/07/08

تجربتي التلفزيونية التي تمتد خمسين سنة دلتني على مهارات فنون التحدث إلى المشاهدين عبر شاشة التلفزيون، بمراعاة كون المشاهدين متنوعين، ثقافة واهتماما وعمرا وإدراكا، وأن مخاطبتهم تحتاج إلى صنعة وانتباه لمستويات الوعي والاستيعاب.

إن النجاح في صنعة تقديم البرامج يعتمد على عوامل أساسية منها إطلالة المقدم وارتياح المشاهدين له يعني الحضور الشخصي (البريزانس) وهذه هبة من الله، يدعمها مدى اقتناع المقدم بما يتحدث عنه وقدرته على نقل أفكاره إلى المشاهدين وإثارة اهتمامهم حسب جاذبية الموضوع. فالمقدم الواعي بمهمته ينبغي أن يخلق علاقة بينه وبين المشاهد وأن يحسن اختيار طريقة مخاطبة الناس واللهجة التي يتحدث بها، لا أقصد المفردات أو العامية والفصحى وإنما أقصد مدى فهمه وقناعته بالجملة التي يقولها وكيفية توصيلها للجمهور وإثارة النقاط التي يمكن أن يرغب المشاهدون بمعرفتها وتشد انتباهم أكثر من غيرها.

إن مهارة تقديم البرامج التلفزيونية تأتي بالتدريب، فالصانع الدرب خير من العالم غير الدرب، كما كان يقول العلامة جابر بن حيان المتوفى في الكوفة سنة 815 ميلادي، والذي وصفه فرانسيس بيكون بأنه أبو الكيمياء وقال عنه العالم الكيميائي الفرنسي مارسيلان بيرتيلو “إن لجابر بن حيان في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق”، (جابر بن حيان.. كان يحث على كسب المهارات بالممارسة الذاتية وبمراقبة أصحاب الصنعة الماهرين والتعلم من شغلهم، والتدرب على أيديهم إن أمكن، وتقليدهم) وهذا يؤكد صحة المقولة الدايلكتيكية “إن التراكم الكمي يؤدي إلى تغير نوعي”، فالمبدع ليس حصيلة مؤثر واحد أو تجربة واحدة، إنه حصيلة تراكمات عديدة وخبرة مضافة وتجارب مارسها آخرون وتدربوا عليها وطبقها هو.

كنت وأنا أقدم برامجي التلفزيونية أحاول أن استحضر في ذهني حالة المشاهدين في كل لحظة، هل اكتفوا بما قلته عن تلك النقطة؟ متى يجب أن أجدد المعلومة أو الموضوع كله؟ ماذا يجب أن أضيف بين حين وآخر كي أثير الاهتمام من جديد وأطرد احتمالات الاكتفاء أو الملل عند المستمع فلا يتحول إلى قناة أخرى؟

تكمن صعوبة مخاطبة جمهور المشاهدين في تنوعه، ففي الحقيقة لا يوجد جمهور واحد متجانس.. وإنما هنالك جماهير من المشاهدين. فالذين يجلسون أمام شاشة التلفزيون (وحتى في صالة السينما) ليسوا صنفا واحدا من البشر، لا في الأعمار ولا في المستويات الاجتماعية أو الثقافية ولا في الاهتمامات ولا في الوعي الفكري أو الذهني ولا حتى في كيفية التلقي.

حتى الحديث أمام نخبة مختارة، نعتقد أنها متجانسة، ومتقاربة في العمر، وفي المستوى الثقافي والعلمي والاجتماعي جاءت برغبتها إلى محاضرة أو ندوة. لا نرى ردود فعلها تجاه ما يجري أمامها متجانسا، ولا حتى متقاربا. وقد يغادر البعض القاعة قبل انتهاء المحاضرة ليس فقط بسبب الانشغال ربما وإنما بسبب الملل أو أن ما يقال لا يعنيه.

مؤكّد أن كلا منا قد اختبر في أكثر من موقف هذا التنوع والتباين في الإدراك والاستيعاب وفي أذواق جماهير المشاهدين والمستمعين… وأن كلا منا قد صادف حالات في هذه المضمار تثير الدهشة. كأن تذهب إلى فيلم أو مسرحية فيضحك المشاهدون بين حين وآخر على مواقف لا ترى فيها ما يضحك، بل فيها ربما حتى ما يثير النفور… وقد تذهب مع أسرتك لمشاهدة فيلم أو مسرحية يتحدث عنهما الناس، وتغادر في منتصف العرض لسماجته وضعفه وتندم لأنك حضرته… وقد تبحث عن مسلسل أو برنامج تلفزيوني على إحدى الفضائيات يتحدث عنه البعض بإعجاب أو دهشة، فتجده لا يستحق ذلك الاهتمام المعلن.

وحتى البرامج الموجهة لفئة معينة من المشاهدين، مثلا برامج المرأة، أو الثقافة أو الطلبة لا يهتم بها أو لا يرضى عنها الكثيرون ممن هي موجهة لهم، فإن فئات الناس المتجانسة مهنيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا هي ليس بالضرورة متماثلة من حيث الأذواق أو الاهتمامات الشخصية. وحتى فئة الأطفال تختلف في تقبلها وميولها لبرامج الأطفال المتنوعة مما يؤكد أنه حتى بين الأطفال لا يوجد جمهور مشاهدين واحد من الأطفال بل جماهير متنوعة قد تتشابه وقد تختلف.

18