مشاهد العنف الاجتماعي المصري بين الدراما والسياسة

مصر في حاجة لإعادة تشكيل وبناء الشخصية القومية بعد كل التشويه الذي تتعرض له من خلال آليات تشكيل البطل المضاد، القائم على العنف والبلطجة والفساد.
الأربعاء 2018/09/12
مسلسل رحيم نموذج درامي قدم عدة أشياء ملفتة ومقلقة

صُدم المجتمع المصري بعدة جرائم مروعة وقعت في الفترة الأخيرة، يجب أن تشغل علماء الاجتماع والدراسات الإنسانية وفي الواقع كانت العديد من الأصوات قد حذرت من شيوع نموذج البلطجي معتاد الإجرام في الدراما التلفزيونية والسينمائية المصرية خلال السنوات الماضية، والتي وصلت لذروتها هذا العام في رمضان بمسلسل “رحيم” وأثر ذلك على سيكولوجية العنف الجماعي وشيوعها في المجتمع المصري.

كما يذهب البعض لأبعد من ربط الدرامي بالاجتماعي فقط كثنائية متفاعلة، تؤثر فيها الدراما على السلوكيات الاجتماعية للناس وثقافتهم المتوارثة، فيزيد عليهما بالضلع الثالث الذي هو الواقع السياسي، مقدما ثالوث: الدرامي/ الاجتماعي/ السياسي، والتأثير المتبادل بين كل منهم.

وبالعودة إلى الدراما وربطها بالعنف الاجتماعي؛ نجد أن مسلسل رحيم كنموذج درامي، قد قدم هذا العام عدة أشياء ملفتة ومقلقة للغاية في شخصية البلطجي العتيد في المجتمع المصري، كان يجب ألا يمر بعضها على الرقابة، أهمها الإهداء المُتضَمنْ في تتر المسلسل، فالإهداء الذي يتصدر افتتاحية المسلسل توقيع: عائلة رحيم..! ولا يبدو واضحا القصد من توقيع الإهداء بعائلة رحيم، هل المقصود هو المعنى المباشر بعائلة رحيم في المسلسل وأبطاله والإيحاء بأن القصة حقيقية في إسقاطاتها، أم المقصود بعائلة رحيم هي أسرة صناع المسلسل؟

والأكثر صدمة وتفكيكا لقيم المجتمع حين يُصَدّرْ صناع المسلسل وأحداثه أفراد أسرة رحيم على أنهم أبطال وطنيون، وذلك حين يقول نص الإهداء الموقع بـ”أسرة رحيم” في الافتتاحية “إلى كل من استطاع أن يحافظ على وطنه في أصعب الأوقات التي مرت به”! ولا تعرف ما هي وجهة نظر صناع المسلسل هنا، هل هي وجهة نظر وظيفية مثلا، تقوم على أن لعائلة رحيم وظيفة ودورا ما في المجتمع، لا يفهمه المتلقي العادي أو المشاهد البسيط ويتجاوز منظومة قيمه التقليدية، يجعلهم أبطالا وقدوة للمجتمع يجب أن يسود نمط حياتهم، القائم على البلطجة والفساد المنظم وتبرير القبح!

وبالنظر للمنطق الدرامي الذي يسوقه العمل كنقطة انطلاق لبطولة هذا النموذج وتحوله للعنف، تجده يرجعه في طفولته لمشهد اغتصاب والدته وقيامه بالانتقام. تقدم الدراما على مدار المسلسل مشاهد القتل كفعل عادي علينا أن نقبله، في سياق الهدف الأسمى والدور الوظيفي المجهول لرحيم وعائلته الوطنية!

يُصدرُ المسلسل معضلة الفن الأعمى، الفن الذي يفتقد للغاية والقدوة ونموذج البطل، وأكثر ما يمكن أن يضرب منطق العمل في مقتل، وما يشابهه من أعمال تسلط الضوء على توظيف البلطجة وتبرير شق طريق الإنسان في المجتمع المصري عبرها، هو السؤال المركزي: أين موقف الطبقة الوسطى أو الشريحة الأوسع من المجتمع المصري من ذلك الطرح؟

تعتمد مثل هذه الأعمال على المنطق الاجتزائي، أو سرقة مقطع محدود من الحياة الاجتماعية الواسعة وتحويله لمحور ومركز للكون في مصر، على عكس الواقع الزخم بالتدافعات وحلم معظم الطبقة الوسطى بالقيم الإنسانية العليا.

تربط العديد من الدراسات العلمية بين الفن وصورة البطل التي تظهر به، وبين تشكيل وعي وثقافة الإنسان/ المشاهد، فقديما كان الإنسان يكتسب معارفه وثقافته عن طريق الأسرة والعائلة والأصدقاء والجيران والمدرسة بالخبرة والممارسة والاحتكاك، لكن الدراما المصورة والأعمال السينمائية أصبحت من أكثر الآليات الاجتماعية المعاصرة إلحاحا وتكرارا وقدرة على تشكيل الوعي الجماعي، وربما يصف البعض العملية بغسيل المخ الجماعي وتوجيه السلوك المجتمعي.

إن مصر في حاجة لإعادة تشكيل وبناء الشخصية القومية بعد كل التشويه الذي تتعرض له من خلال آليات تشكيل البطل المضاد، القائم على العنف والبلطجة والفساد ومنطق تبرير القبح والجريمة.

18