مشاهد بين الدين والدنيا

السبت 2016/10/08

المشهد الأول:

مقطع فيديو مؤثر انتشر مؤخرا على مواقع التواصل الاجتماعي لمواطن عراقي يهودي وجه رسالة إلى الشعب العراقي، حثه فيها على نبذ الطائفية والتمسك بالوحدة الوطنية. السيد شكر، الذي يعيش مع عائلته في لندن حاليا، هُجر قسرا من بلاده في أغسطس عام 1971. ومثل غيره من مهجري الأديان والطوائف، وآخرها الديانة الإيزيدية، عبر عن ألم ابتعاده عن وطنه، وحنينه للعودة كهاجس يراود كل عراقي أرغمه العنف العنصري على الغربة. وقبل أن يختم حديثه بتحية الإسلام، طلب من العراقيين الحفاظ على وطنهم وحماية تراثه المتنوع والمتجذر في نواة التاريخ.

المشهد الثاني:

في مقطع فيديو نشره على صفحته الرسمية في تويتر، طلب الداعية الإسلامي عدنان العرعور من الفصائل المسلحة في سوريا الحرص على وحدة القيادة كشرط من شروط الجهاد ضد بشار الأسد. وقبل أن يختم حديثة انفعل، وغضب، وصاح “نصرالله تعب من الانتظار ويريد أن ينزل”. بالتأكيد لم يوضح الشيخ العرعور لمتابعيه كيف عرف بأن نصر الله يعاني من الانتظار، ولا لماذا قتال بشار الأسد تكليف إلهي وفرض من فروض طاعة المواطن السوري لله ورسوله.

المشهد الثالث:

في نفس الوقت، متابعة المشهد الأول والثاني تعود بالذاكرة إلى مشهد على قناة الجزيرة، يكفر من خلاله الشيخ يوسف القرضاوي الرئيس الليبي معمر القذافي ويستبيح دمه.

يتوقف العقل عن المتابعة برهة، ويدخل في جدلية المقارنة بين الخطاب الإنساني في المشهد الأول، وبين الخطاب الإرهابي في المشهد الثاني، فيصاب بصدمة التحول الخطير في المشهد الثالث. كيف يمكن لرجل دين مصري الجنسية، يظهر على فضائية قطرية، يكفر ويستبيح دم رئيس الدولة الليبية؟

ظهور القرضاوي في قناة الجزيرة وتحريضه على قتل معمر القذافي يعد انتقالا مفصليا في التاريخ الحديث، بداية استباحت فيها المؤسسات الدينية سيادة الدول العربية ومهدت لاستيلاء مشاريع الإسلام السياسي عليها. أليس هذا ما قامت به إيران في العراق من خلال السيد السيستاني؟ إذن لماذا يقاتل العالم تنظيم داعش ويترك إيران والأحزاب التابعة لها، وتركيا والإخوان المسلمين؟

الغرب يدرك حقيقة خطورة جميع المشاريع الإسلامية على مصالحه في المنطقة، لكن لا بد من القضاء على داعش ومشروع دولة الخلافة أولا، لأنه الأخطر.

حقيقة الخلاف بين روسيا وأميركا حول الصراع في سوريا على سبيل المثال، ليست بسبب دعم روسيا لبشار الأسد والفصائل الشيعية المقاتلة معه، ولا بسبب الفصائل السنية والدعم التركي السعودي لها ضد بشار الأسد، لأن هذا الأمر محسوم ضمن خطاب روسي أميركي متفق عليه للحفاظ على سوريا العلمانية، وهو يشبه إلى حد ما توافق القوتين حول موضوع هتلر والنازية في الحرب العالمية.

حقيقة الخلاف الأميركي والروسي حول الصراع في سوريا تكمن في عدم التوصل إلى اتفاق يضمن مناطق نفوذ كل منهما بعد انتهاء الحرب. مشروع هيمنة تسعى إليه القوتان، وستتبلور ملامحه في صورة فوز مرشح الجمهوريين دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية. المشروع سيغير خارطة المنطقة ويترك سؤالا جدليا عما فعلته الشعوب العربية بنفسها.

خلال زمن بليد انتقلت فيه العنصرية القومية التي أرغمت المواطن العراقي اليهودي على ترك بلاده، إلى العنصرية الإسلامية التي أجازت للقرضاوي والعرعور إرهاب التكفير والقتل، لم تجن الشعوب العربية غير تبديل وصاية الاستعمار البريطاني الفرنسي بالهيمنة الروسية الأميركية؟

كاتبة عراقية

9