مشاهد تحت خط الفقر

الخميس 2015/03/26

تغيرت معالم الأرض، تغيرت السياسة، تغير المجتمع، تغيرنا. لم يبق شيء على حاله بعد أن قلبت الأزمة حياة المواطن السوري وبعثرت حياته، ولم تترك له سوى أسئلة لها أنياب يطرحها السوري كيفما التفت وأينما كان، كيف يجب أن نحيا أيامنا وعمرنا القصير ضمن نسبية الزمن؟ وكأن ثقافة الحياة أصيبت بسوء التغذية أو التمزق، وبدأت تصرخ بين فترتين “قبل الإرهاب وبعده”.

المشهد الأول: سلطة القتل. إنها سلطة جديدة تقود لواء الحاضر تستخدم الميديا وتجيّش البروباغندا لدفع البشر إلى قبول وتمجيد القتل، ولإقناع الجميع بما يجري من حرب تبث أفكارها الفقيرة في حب الحياة، فالحرب تبدأ في الفكر ولا يمكن دفع البشر للمشاركة في حرب إلا إذا غطتها مقولات كبيرة كالحق والعدل والألوهية أو الدفاع عن الوجود. أفكار توقظ تجذر القتل في البشر أو التعامل معه كبديهية متفق عليها منذ زمن قابيل وهابيل، ويكفي تقديس الغاية حتى يتم السير تحت لواء القتلة أيا كان تصنيفهم، ويبدو المشهد شديد الهزل عندما تكون بين قاتلين أحدهما لغاية سماوية مقدسة، والآخر لقدسية الحياة المقدسة أصلا من السماء، ولا يريان كم هما متشابهان.

المشهد الثاني: سقوط الحب والأحلام. هناك من يقول إن الأحلام لا يمكنها الفناء ستبقى تفرد أجنحتها الملونة على مر السنين، والقلوب لن تتوقف عن تسجيل أسطوانات النبض الملتهب لهفة، فهي تمتلك أبدا ما يشعل نيران الحب المطوية. ليقول آخرون، قد وصلت نيران المشهد المر إلى خرائط الأحلام وأحرقتها وتحولت براكين الحب لرماد، ولم يبق للأحلام وللحب سوى مرتع الذكريات وهو الآخر زحف إليه الجفاف فتقلص في الوقت المنصرم، فالحب يرافقه الحلم والحلم يبعث على الحب، وهما جزء من ثقافة الحياة المترنحة في زمن التشاؤم الذي يعلن أن الأحلام والحب لا يعمران مع القهر والحرب والقتل والفقر، وكأن الأحلام والحب في عزلة عن وجودنا كبشر، أو أن لهما مجتمعهما الطبقي الخاص.

المشهد الثالث: حوريات الشام “من لم يتزوج شامية مات أعزب”. سمعنا بزواج المتعة والمسيار والسياحة وغيره من أشكال الزواج، لكن الظرف أضاف جديدا، إنه زواج غير مشروط سوى ببعض قروش لا تشبع، تردده الأزمة بلا هوادة، إنه ما يسمى الآن زواج “السترة” الذي انتشر في مخيمات النزوح السورية في البلدان المجاورة، وعاد ليستوطن في مناطق النزوح الداخلي ويمد مخالبه إلى المناطق شبه الآمنة، وهو ليس قرارا عائليا فقط، فقد قام الفقهاء بتلاوة الاجتهادات والترويج والدعوة لهذا النوع من الزواج، بذريعة حماية القاصرات من التشرد والاغتصاب. وأي قانون يحميهن ويضمن حقهن، إنه ذمة الزوج وكرمه.

المشهد الرابع: موت الحضارات وموتنا. مَن يقاتل مَن؟ الداخل ضد الداخل، منه لأسباب دينية أو طائفية، ومنه لأسباب أخرى، الدين لم يتغير ولم يسقط أو يتعثر، بلداننا تعثرت وتناثرت شظايا قد لا تجد من يجمعها، فما يحدث ليس عارضا، إنه يترسب في الأعماق، يقتل النظريات، يسقط الأيديولوجيات، يحطم الروحانيات وينسف فخرنا بأننا أبناء حضارات لم تمت لنصير أبناء مناطق مصدرة للإرهاب يجب موتها.

المشهد الخامس: المكتمل الوحيد هو خط الفقر، فقر بكل مسافاته ومشاهده يجوب فوقنا، يطمس معالم فهمنا لفلسفة الوجود والمحيط والغاية من الحياة، وماذا بعد؟ ما هو الجديد؟ لا نعرف. نجهل. ونحيا بالجهل.

كاتبة ورسامة سورية

9