مشاهد طبيعية وأفق عدمي في لوحات لبنانية

الفنان التشكيلي مازن الرفاعي يرسم بأسلوبه الخاص مشاهد للسهول البقاعية حيث حضر خط الأفق وكأنه خط “إنسلاخي” يقطع ما بين معالم اللوحة بشكل عرضي.
الاثنين 2019/06/17
تدمير لقوانين الهندسة وترسيخ لمفهومها

قدم الفنان التشكيلي اللبناني مازن رفاعي معرضا لأعماله الجديدة المتعددة الأحجام والمشغولة بمادة الأكريليك في صالة “أجيال” بالعاصمة اللبنانية بيروت، والمعرض عنوانه “هيك السهول”، (هكذا السهول) وفي هذا العنوان نوع من الإفصاح عن عادية الأمور غير العادية، تلك التي تأسرنا بعنادها وغموضها ولا يحتاجها لأن يبرر ذاته ويعلل أسبابه.

بيروت - من خلال النفحة التبسيطية والاختزالية القصوى، ولا نقول التجريدية، أعادنا الفنان التشكيلي اللبناني مازن رفاعي في معرضه الأخير “هيك السهول”، (هكذا السهول) إلى حيث انتهى معرضه السابق، حيث تجلت في لوحاته السهول البقاعية ذاتها ومشاهدها المنبسطة اللانهائية، مع حضور لمنازل بعيدة المنال على مفترقات السهول ومنعطفاتها.

ويُذكر أن مازن الرفاعي هو أيضا مهندس في العمارة الداخلية، درس الفنون الجميلة في ماسيراتا بإيطاليا والهندسة الداخلية في لبنان، وتأثرت أعماله الفنية بدراسته تلك، أما في معرضه الجديد الذي عرضته صالة “أجيال” البيروتية أخيرا، فقد تراجع عنده همّ الهندسة “الظاهرية” على حساب هندسة أفكار وجدت ضالتها على قماش لوحاته.

وقال الفنان في إحدى مقابلاته “إن الهندسة هي علم البناء، أما الفن فهو تدمير وإعادة تشكيل”، وهذا ما حدث في لوحاته الأخيرة: تدمير لقوانين الهندسة وتمتين لمفهومها. كل لوحات الفنان الأخيرة غلبت عليها ميزات جديدة حضرت بفخر في سابق أعماله أو لم تحضر البتة، نقصد هنا أن سهول مازن الرفاعي المنبسطة بتقشف خطوطي ولوني كبير لم تعد سهول “تجريدية” المعالم كما في معارضه السابقة.

مازن الرفاعي: إن الهندسة هي علم البناء، أما الفن فهو تدمير وإعادة تشكيل
مازن الرفاعي: إن الهندسة هي علم البناء، أما الفن فهو تدمير وإعادة تشكيل

والتجريد الفني كما هو متعارف عليه وباختصار شديد ينطلق من واقع ملموس لينشغل الفنان في تجريده من التفاصيل والأشكال الواضحة والمؤلفة لعناصر المشاهد، ليبقى الجوّ العام والمساحات اللونية التي تشير إلى مصادرها الواقعية دون أن يظهر أي شيء واضح منها.

أما ما بدا أنه تجردي في لوحات مازن الرفاعي الحالية، فنود أن نسميه تجلّ للميتافيزيقي، لأنه تخلّى ليس فقط عن الشكل الخارجي، بل تخلى أيضا عن أي تخيلات مرتبطة بمعرفتنا المسبقة بأن الفنان اللبناني يرسم بأسلوبه الخاص مشاهد للسهول البقاعية.

وما يعزّز هذه الكلمات أن في معظم لوحات الرفاعي حضر خط الأفق وكأنه خط “إنسلاخي” يقطع ما بين معالم اللوحة بشكل عرضي، كأن الفنان قد “مزقه” عن خلفية اللوحة كما تمزق ورقة من كتاب، غير أن هذه “الورقة الممزقة” تفتح على ما خلفها، وما خلفها هو العدم، عدم ولونه عدمي باهت.

كما تلعب الظلال دورا مصيريا في اللوحات حين ظهورها، إذ برزت مُخالفة لأي تسطيح تجريدي، ظلال ظللت الممزقات جاعلة منها نافرة توحي بأن شيئا ما يقبع خلفها، أو في هذه الحالة، بأن عدما ما يقف خلفها، تولد أسئلة أمام هكذا لوحات: ما هو جوهر هذه السهول؟ أي عدم  تخفيه خلفها؟ وتشكل البيوت النادرة في تلك المشاهد تأكيدا على قوة خفية ما وراءها، قوة تريد أن تبتلعها.

ونستعيد بالتالي ما ذكرنا عن تلك البيوت في معرضه السابق، لأجل أن ندرك ما الذي استجد في لوحاته الأخيرة، يقول الرفاعي “تعال إليّ، لكن اعلم أن الطريق سيطول بدلا من أن يقصر.. اطمئن، لن يمنعك ذلك من الاستمرار في السير نحوي، بل على العكس، نكاد أنا وأنت نختفي عن الأنظار، ولكن لن نختفي.. حقا”.

نفحة تبسيطية واختزالية
نفحة تبسيطية واختزالية

وكانت بيوت الفنان مزروعة في الآفاق البعيدة، أو على منحدرات التلال وكانت تخاطب الناظر إليها، قائلة “أنا حيث الطريق يطول بقدر ما تسير أنت فيه، أو يبتعد فيه نظرك، حيث الطريق هو أهم من الوصول إلى أيّ وجهة كانت.. أنا المشهد الطارئ الذي قد يختفي في لحظات، ليس لأنه غير حقيقي، بل لأنه ينتمي إلى عالم الرؤيا”. والبيت في لوحات مازن الرفاعي الأخيرة قد أتمَ إخفاءه فعلا ولو بدا لنا كتفصيل هامشي، ولو كان قادرا على النطق، لقال “أنا البيت  المُغادر للسهول.. أنظروا كيف يتم امتصاصي إلى خلفية اللوحة حيث العدم”، لوحات التشكيلي اللبناني التي كانت تضج بشمس البقاع الحارقة بصمت مُكثف غابت، ولربما ابتلعتها هي الأخرى خلفية اللوحات.

والبيوت باتت نادرة جدا وإن حضرت في بعض اللوحات لم تعد بذات الزخم السابق لونيا وشكليا، باتت أشبه بذكريات أو صور عن صور البيوت التي شكلها سابقا وزرعها في مشاهده الطبيعية كائنات حية تتنفس وتزفر ما يحيط بها من خضرة وزرقة وصفرة، تحولت البيوت في لوحاته الأخيرة إلى فواصل هشة لم تحض، إلّا لضرورة أن تقيم توازنا وتشكل بعضا من أبعاد وإرساءات للمشاهد الطبيعية أفقيا وعموديا، وهي قد تختفي في لوحاته القادمة، من يدري؟

ومازن الرفاعي الذي شارك ويُشارك منذ العام 1974 في العديد من المعارض الجماعية والفردية داخل وخارج بيروت، جاءت أعماله الاولى مشغولة بالأكواريل والزيت والفحم، وارتأى في الحاضر أن يستقر على الأكريليك لخاصية مميزة تُمكّن مُستخدمها من أن يرسي الألوان “صماء” على قماش اللوحات لا أثر لضربة الريشة فيها مهما كانت قصيرة.

17