مشاهد غير تقليدية احتفاء بعودة السينما إلى السعودية

السعوديون سيشاهدون أحدث الأفلام في الرياض لا في دبي وسط دعم صناعة الترفيه تلبية لرغبة المجتمع ودعم للاقتصاد.
الجمعة 2018/04/20
السعودية الجديدة تسعد الجميع

الرياض - قبل بضع سنوات كان تمنّي عرض فيلم سينمائي في إحدى مدن السعودية، نكتة ممنوعة؛ فسينما! وفي السعودية! هذا ضرب من الخيال تمنعه فتاوى لا تحصى.

ولكن هذا الخيال أصبح حقيقة ترسّخت مع افتتاح السعودية الأربعاء أول دار سينما بالبلاد لتنهي حظرا دام نحو 40 عاما في إطار حملة يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتحديث المملكة المحافظة، والقطع مع صحوة قادت السعودية في الاتجاه الخاطئ. لقد استجابت الحكومة السعودية لرغبة الشعب في الاستمتاع بالسينما ووفرت عليه عناء السفر للخارج والتكلفة المادية المرتفعة لبناء السينما في المنازل.

Thumbnail

“امرأة حاسرة الشعر في كامل زينتها ترتدي زيا أحمر يمتد لمسافة طويلة على الأرض مشكّلا سجادة السينما الحمراء.. وزير الثقافة يأكل الفيشار.. حضور مختلط بين رجال ونساء في قاعة العرض”، نماذج لمشاهد “غير تقليدية” وغير مألوفة في المملكة العربية السعودية شهدها حفل افتتاح أول دار سينما في الرياض بمركز الملك عبدالله المالي.

بعد حظر للسينما استمر أكثر من 35 عاما، افتتح وزير الثقافة والإعلام السعودي رئيس مجلس إدارة هيئة الإعلام المرئي والمسموع عواد بن صالح العواد، أول دار عرض سينمائي في السعودية، في خطوة وصفتها وزارة الثقافة السعودية، وعدد من الحضور بأنها ” تاريخية”.

شهد حفل الافتتاح عددا من المسؤولين والدبلوماسيين والمختصين وخبراء عالميين وعربا في مجال صناعة السينما. وكان فيلم بلاك بانثر، الذي افتتح هذا الحدث، وسيكون متاحا للعرض الجماهيري انطلاقا من اليوم الجمعة. ومنحت وزارة الثقافة والإعلام السعودية، في 4 من الشهر الجاري، أول رخصة تشغيل دار عرض سينمائي لشركة “أيه.إم.سي” الأميركية، التي تعد أكبر مشغل دور عرض سينمائي في العالم، للعمل بالمملكة.

وكان من بين الحضور الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان آل سعود، والتي أحضرت ابنها البالغ من العمر 16 عاما ليشهد ما وصفته “باللحظة التاريخية”، كما كان لافتا أنه لم يتم الفصل بين الجنسين على عكس معظم الأماكن العامة الأخرى.

Thumbnail

قال رئيس مجلس إدارة الشركة “أيه.إم.سي” آدم آرون إن الدور السينمائية التي ستفتتحها شركته ستوفر حوالي ألفي وظيفة، متوقعا توفير مزيد من الوظائف مع افتتاح مزيد من دور السينما. وأوضح أن السينما ستكون للعوائل ومن الممكن تخصيص بعض الحفلات أو القاعات للشباب إلا أن غالبية العروض ستكون للعائلات وهو يتناسب مع توجه المملكة.

وقال آرون إن سبب اختيار عرض فيلم “بلاك بانثر”، وهو فيلم أميركي أُنتج عام 2018، لأنه يروي قصة ملك يحول دولته تقنيا وحضاريا وأكمل أن هذا “يماثل رؤية وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان ورغبته في تغيير المملكة”.

وأشار إلى أن “الوقت حان ليشاهد السعوديون السينما ليس في البحرين ولا دبي ولا لندن ولا نيويورك بل في الرياض وفِي 15 مدينة سيتم افتتاح وتشغيل دور عرض سينمائية فيها”.

انطلقت الاحتفالات في بهو دار السينما عندما أعلن آرون ووزير الثقافة والإعلام السعودي عواد العواد التدشين الرسمي للدار ودخلا قاعة العرض التي تسع 450 شخصا.

وحين سُئل عن رد المحافظين المحتمل على دور السينما قال العواد إن الحكومة تركز على خلق فرص استثمارية. وأضاف قائلا “نرحب بشدة بكل من يرغب في القدوم والاستمتاع بمشاهدة الفيلم في دار السينما… وبالنسبة للذين لا يرغبون في مشاهدة الأفلام نهائيا فهذا هو خيارهم الشخصي”. ولم تتضح الصورة بعد بشأن نطاق الرقابة لكنّ مسؤولا سعوديا قال إن نسخ الأفلام التي تعرض في دبي أو الكويت ستكون مناسبة للجمهور السعودي.

ولا توجد مناهضة تذكر للإصلاحات الاجتماعية التي كانت غير واردة قبل بضع سنوات فقط، لكن، مازال البعض متأثر بخطاب ترسخ منذ حوالي أربعة عقود.

وفي حين عبّر الكثير من السعوديين عن سعادتهم بانتهاء الحظر على أفلام السينما ونشروا على وسائل التواصل الاجتماعي عبارات الثناء وصور وليّ العهد الشاب، اختلطت الصورة في أذهان آخرين تجاه ما وصفوه بالتحوّل الكبير والمفاجئ من جانب الحكومة بشأن السينما، وقال مستخدم على تويتر “مسكين من ستوضع هذه الأفلام في ميزانه يوم القيامة.. الإنسان يقول يا رب سلم سلم من ذنوبه وحده فكيف سيتحمل ذنوب الملايين من الناس”.

رغم حظر دور السينما، ظل السعوديون متابعين نشطين لوسائل الإعلام والثقافة الغربية. ويشاهد السعوديون في المنازل أحدث الأفلام الأميركية والمسلسلات التلفزيونية الأميركية على نطاق واسع، كما أنهم يعتبرون من أكثر شعوب العالم سفرا، ويطلعون خلال رحلاتهم على أبرز العروض السينمائية والمسرحية والغنائية، وهي المفارقة التي انطلق منها الأمير محمد بن سلمان. وتحمل هذه الخطوات الإصلاحية فوائد عديدة:

*اقتصادية، دعم صناعة الترفيه للاقتصاد، وفي عام 2017 قالت الحكومة السعودية إنها سترفع الحظر عن السينما في إطار إصلاحات تهدف إلى إبقاء أموال السعوديين في الداخل بدلا من إنفاقها على رحلات ترفيه إلى دبي والبحرين ومناطق أخرى.

*اجتماعية، تقطع هذه السياسة مع ازدواجية مجتمعية تبيح مشاهدة السينما في الخارج وتمنعه في الداخل. وتعمل على نشر ثقافة الاعتدال والقطع مع صحوة سارت في الاتجاه المعاكس لتطور المجتمعات والعالم. وتخطط السلطات لإقامة نحو 350 دار سينما تضم أكثر من 2500 شاشة عرض بحلول عام 2030 لخدمة السكان البالغ عددهم أكثر من 32 مليون نسمة جلّهم من الشباب تحت سن 30 عاما.

خاض الشباب السعودية، سنة 2009، صراعا مع رجال الدين، تجسّد بتحدي المئات من السعوديين المتشددين وشاركوا في حدث تاريخي هو أول عرض لفيلم تجاري سعودي الجنسية في المملكة، وهو فيلم مناحي. وكان رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في ذلك الوقت، إبراهيم الغيث صرّح عقب خروج فيلم مناحي، وما صاحبه من مطالبة بإعادة فتح قاعات السينما في المملكة، بأن “السينما منكر” مبررا ذلك بتأثيرها الضار على مرتاديها. لكن اليوم، تغيّر الوضع كثيرا، ولم يعد لرجال الدين تلك السطوة، التي اكتسبوها في ظرف سياسي وتاريخي محددين.

مجموعة من الشباب السعودي الرافض للعروض السينمائية تصادموا مع رجال الشرطة عندما حاولوا سنة 2009، منع عرض الفيلم السعودي "مناحي" في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض
مجموعة من الشباب السعودي الرافض للعروض السينمائية تصادموا مع رجال الشرطة عندما حاولوا سنة 2009، منع عرض الفيلم السعودي "مناحي" في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض

ويقول هشام الغنّام، الباحث السعودي في جامعة اكزتر البريطانية، إن “ممارسة الفتيات للرياضة وفتح دور السينما وتنظيم حفلات أو حتى الوصول إلى حد حل الشرطة الدينية ليست أشياء بإمكانهم منعها. المملكة قادرة على الدفع في اتجاه مثل هذه الإصلاحات دون توقع ردة فعل قوية”.

ويرجع المراقبون التغيرات في المجتمع السعودي إلى دور الأمير محمد بن سلمان، الذي عاش في السعودية ودرس فيها، ويعرف عن قرب متطلبات جيله الشاب، وهذا يمنحه القدرة على تحقيق توازن دقيق بين الانفتاح الاجتماعي والحفاظ على خصوصية المجتمع السعودي دون شطط رجال الدين.

ويرى المراقبون أن هذه الإصلاحات وجدت تجاوبا لأن الأرضية كانت مهيأة، فالسعودية ليست حديثة العهد بالسينما. فقد كانت هناك صالات في جدة والرياض والدمام، المعروفة تاريخيا بانفتاحها. وكان أول فيلم سعودي أنتج سنة 1948 وحمل اسم “الذباب”. وفي السنوات الأخيرة بدأ جيل شاب من السعوديين في إنتاج الأفلام. وشهدت الساحة السينمائية العالمية تواجدا سعوديا مميزا.

ويعتقد المحلل السعودي غازي الحارثي، أن عودة السينما السعودية لا يجب أن تكون هي الحدث، فالسعودية ككل عادت أساسا إلى الشكل المعتدل للدولة التي تستثمر في الإنسان والجماد وتعدل بين المرأة والرجل ويتنوع اقتصادها. أما السينما خطوة على الطريق الصحيح ورسالة إلى من يعتقد أن السعودية مازالت أو لم تستطِع مغادرة سطوة المتشددين فكريا وثقافيا.

ويقول الحارثي لـ”العرب”، “الحدث الذي أعتقد أنه يجب أن يؤخذ بالاعتبار هو صناعة سينما سعودية واعية وعصرية وتستحق المتابعة لنقل صورة نمطية حقيقية للسعوديين والتغيير الجاري في بلادهم وللمساهمة أيضا في انتشال السينما العربية من حالة التهاوي التي تمر بها في السنوات الأخيرة”.

إقرأ أيضا: السينما السعودية من المحظور إلى المتاح

7