مشاورات داخل الائتلاف الحاكم في تونس تمهيدا لتعديل حكومي

تتجه النية داخل الائتلاف الحكومي في تونس إلى إجراء “تعديل محدود” على تركيبة الفريق الوزاري الذي يترأسه يوسف الشاهد، وذلك في مسعى لإضفاء المزيد من النجاعة على الأداء الحكومي، فيما يبعث هذا التعديل المرتقب برسائل بالجملة للداخل والخارج.
الأربعاء 2017/04/26
التغيير حفاظا على دينامكية العمل الحكومي

تونس – كشفت تسريبات صحافية عن قيام رئيس الحكومة يوسف الشاهد بعقد عدد من اللقاءات والمشاورات مع القوى والأحزاب السياسية المشاركة بالحكومة ومع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي استعدادا لإجراء تعديل على تركيبة فريقه الحكومي.

وأكدت المعلومات التي تناقلتها بعض الصحف أن المشاورات تجرى في الوقت الحاضر مع كل من أحزاب النهضة ونداء تونس وآفاق والمسار وبعض المنظمات الوطنية، وسط تكتم شديد من المسؤولين والقيادات الحزبية حول مضمون هذه اللقاءات.

ووسط ترجيحات بالإعلان عن مضمون هذا التعديل خلال الأسبوع القادم، يتداول المراقبون أسماء عدد من المرشحين لمغادرة الحكومة ضمن قائمة التغييرات الوزارية، والتي تشمل ربما كلا من وزيرة المالية لمياء الزريبي ووزير التربية ناجي جلول.

ورغم اختلاف التقديرات المتعلقة بالأسماء الأخرى التي قد تشملها خارطة التعديل الحكومي، إلا أن أغلب المتابعين للشأن التونسي يؤكدون أن استبعاد الزريبي وجلول يعد احتمالا قويا وقائما.

ويشير المحلل السياسي معز الباي إلى أن إعفاء وزيري المالية والتربية قد يكون نتيجة موقف الاتحاد العام التونسي للشغل، وانتقاداته المباشرة لأدائهما.

ويعتبر الباي في تصريحات لـ”العرب” أن وزير التربية ناجي جلول قد يدفع ثمن صدامه وصراعه مع نقابات التعليم في الفترة السابقة، والتي بلغت مستويات عالية من التشنج والقطيعة، وخلفت حالة من الاستياء داخل المركزية النقابية، والتي اعتبرت أن بقاء جلول في منصبه سيؤدي إلى المزيد من توتير الأجواء.

وتظل فرضية رحيل وزير التعليم غير مؤكدة بحسب الباي، مشيرا إلى أن خروجه في هذا التوقيت من الوزارة قد يفهم منه خضوع الشاهد لضغوط نقابات التعليم التي طابت بإقالته في السابق.

ويرجح الباي أن تقييم اتحاد الشغل لأداء وزيرة المالية لمياء الزريبي سيمثل كذلك معيارا محددا في قرار إعفائها، والذي أصبح أمرا شبه مؤكد، خاصة في ظل الانتقاد الواضح الذي وجهته القيادة النقابية لتصريحات الزريبي بخصوص قرار تعويم الدينار التونسي، والتي اعتبرتها قيادة الاتحاد تصريحات “غير مسؤولة” وخطيرة على مناخ الاستثمار واستقرار الاقتصاد الوطني.

التعديل يأتي في محاولة لإحداث رجة في المشهد السياسي، خاصة مع تزامنه مع تجدد التحركات الاحتجاجية بالمناطق الداخلية

ووفقا لمصادر داخل الائتلاف الحكومي، فمن غير المستبعد أن تشمل لائحة التعديل مناصب أخرى على غرار وزارة الصناعة والتجارة.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن تشبث حركة النهضة بإبقاء زياد العذاري ضمن التشكيل الحكومي سيؤدي إلى تكليفه بمهام وزارة التجارة، فيما قد تسند وزارة التشغيل إلى شخصية سياسية جديدة من داخل الائتلاف، وتشارك في الحكومة للمرة الأولى.

وينتظر أن يقوم الشاهد خلال التعديل الوزاري بالإعلان عن إحداث وزارة خاصة بالصناعة وفصلها عن التجارة، وهذا يعد استجابة لطلب الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية في هذا الخصوص.

وتشمل خارطة التعديلات المحتملة بحسب المصادر أيضا، إعفاء كل من محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري، وتكليف شخصية جديدة من الأحزاب الداعمة للحكومة بمهام الناطق الرسمي خلفا لإياد الدهماني.

ويرى معز الباي أن هذا التعديل جاء متأخرا بالنظر إلى أن تحديد مواطن الخلل داخل الحكومة كان يفترض أن يقع خلال الأشهر الأولى من عملها عبر تقييم عمل الوزراء كل على حدة.

وعلق الباي حول الأسماء المتداولة لمغادرة الحكومة مبينا أن وزيرة الشباب والرياضة ماجدولين الشارني قد تكون من بين المعنيين بالتعديل، وذلك على خلفية الانتقادات الحادة التي وجهت إلى أدائها صلب الوزارة، وافتقادها للخبرة في المجال الرياضي، فضلا عن تفاقم المشاكل المتعلقة بظاهرة العنف في الملاعب، والنعرات الجهوية في مسابقات الدوري التونسي لكرة القدم.

وحول أبعاد المبادرة ودلالاتها أكد الباي أن التعديل يأتي في محاولة لإحداث رجة في المشهد السياسي والاجتماعي بالبلاد، خاصة مع تزامنه مع تجدد التحركات الاحتجاجية بعدد من المناطق الداخلية، ومحاولة تهدئة الأوضاع.

ويشدد المراقب السياسي محمد صالح العبيدي على الدور المحوري الذي سيلعبه اتحاد الشغل في رسم ملامح التعديل المرتقب، باعتباره أحد أبرز الأطراف الاجتماعية الداعمة للحكومة، والموقعين على وثيقة قرطاج.

وبين العبيدي في حديثه لـ”العرب” أن “المركزية النقابية لاعب رئيسي في المشاورات التي يجريها الشاهد”، وأنه سيتم أخذ تقييمها بشأن أداء عدد من الوزراء بعين الاعتبار، فضلا عن مقترحاتها بشأن الأسماء المرشحة لتقلد المناصب الوزارية.

ويتفق العبيدي مع الآراء التي تشير إلى أن وزيرة المالية لمياء الزريبي ستكون أبرز المعنيين بالتعديل، معتبرا أن إعفاء الزريبي يأتي نتيجة إخفاقاتها في مشروع موازنة 2017، وتراجعها عن عدد من الإجراءات الجبائية تحت ضغط النقابات والهياكل الخاصة بالأطباء والمحامين، فضلا عن الانتقادات التي ترافق إدارتها لملف العلاقة مع البنك الدولي.

ولفت العبيدي إلى أن تصريحات الزريبي الأخيرة حول تعويم الدينار أثارت مخاوف كبيرة بين المستثمرين وداخل القطاعات الاقتصادية، وكشفت عن عدم انسجام في الرؤية بينها وبين بقية الفريق الحكومي. ويستبعد العبيدي إمكانية أن يشمل التعديل الوزراء الممثلين للأحزاب الداعمة للحكومة، وخاصة إياد الدهماني الناطق الرسمي ووزير الفلاحة سمير بالطيب، مشيرا إلى أن هذه التغيرات تتناقض مع التوازنات المكونة لحكومة الوحدة الوطنية، والتوافقات التي أفرزتها وثيقة قرطاج.

وأكد العبيدي أن التعديل الذي ينتظر الإعلان عنه خلال شهر مايو القادم، يبعث برسائل بالجملة سواء للشركاء الدوليين والمستثمرين الأجانب بهدف إعطاء انطباعات إيجابية عن العمل الحكومي، إلى جانب بث رسائل طمأنة للساحة الداخلية، والتي تعيش على وقع مطلبية حادة وواسعة، بما يستدعي تجاوبا رسميا معها عبر العمل على تعديل الأداء الحكومي في المقاربات والملفات المرتبطة بالوضع الاقتصادي والتنموي والاجتماعي.

4