أبريل 17, 2018

مشاورات ليبيا: الأمم المتحدة تحاور الشعب بعدما فشلت مع السياسيين

اجتماعات مفتوحة تؤسس الأرضية لثقافة المصالحة، وبناء السلام من أسفل في المجتمعات المنقسمة استراتيجية طويلة الأجل.
الحوار المجتمعي الطريقة المثلى لبناء المستقبل

تتخبّط ليبيا في مستنقع من الفوضى تسبب في إدامتها وتعميقها الانقسام السياسي الذي يضع عراقيل كثيرة أمام أي حلول أو اتفاقات مطروحة، حيث تتصارع على النفوذ والسلطة والشرعية في ليبيا قوتان سياسيتان هما: حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، المدعومة دوليا في العاصمة طرابلس (غرب)، والقوات التي يقودها خليفة حفتر، المدعومة من مجلس النواب بطبرق (شرق). ودفعت حالة الاستعصاء السياسي وفشل الحوارات بين ممثلي السلطة في ليبيا الأمم المتحدة للجوء إلى عامة الليبيين والمجتمع المدني للتحاور والاستماع إلى آرائهم بشأن مستقبل البلاد.

أثار لجوء المبعوث الأممي غسان سلامة في ليبيا إلى إطلاق الاجتماعات التشاورية للملتقى الوطني الليبي، خلال شهر أبريل الجاري بعدة مدن ليبية، جدلا حول ما إذا كان هذا المسار الأممي الجديد يمكن أن يشكل مدخلا فعالا لإحلال السلام المجتمعي أم هو مجرد مخرج للخطة الأممية المتعثرة منذ إطلاقها في سبتمبر الماضي، على خلفية احتدام النزاع بين القادة حول مكاسبهم في تعديل اتفاق الصخيرات.

وفي جوهره الأساسي، يمثل المسار التشاوري، الذي بدأ في مدن زوارة وبنغازي ثم غريان وبراك الشاطي وغيرها، وسيشمل 19 مدينة ليبية، بخلاف ليبيي الخارج في مصر وتونس، تطبيقا لنهج عالمي يدعى “بناء السلام من أسفل إلى أعلى”، الذي انتشر في عدة مناطق للنزاعات في أفريقيا كرواندا والصومال وجنوب السودان ونيجيريا.

يقضي ذلك النهج ببناء حوار مجتمعي مباشر بين الناس العاديين وممثلي المجتمعات المحلية، كونهم الأكثر تضررا من استمرار النزاع، وفي الوقت ذاته، من يقررون مصيره. وما لم يكن هؤلاء مستعدون للخروج من دائرة العنف، فلا مستقر لأي اتفاق تسوية بين قادة النزاع.

ديناميات عملية الحوار المجتمعي ستأخذ وقتا طويلا كي تصل إلى مرادها الفعلي في إحلال بيئة من المصالحة والقابلية للسلام
 

ويرمي السلام من أسفل إلى عدة أهداف، أولها تغيير المواقف وإزالة المدركات السلبية المتبادلة بين المواطنين، بما قد يؤدي إلى بناء رأس مالي اجتماعي يتأسس على الثقة والمصالحة. وثانيها، تمكين الفاعلين المحليين، كالمرأة والشباب ونشطاء المجتمع المدني والتجار، من المشاركة في التعبير عن وجهات نظرهم في بناء المؤسسات والدولة. وثالثها، بناء تصور عام حول الحد الأدنى الممكن من التوافق المجتمعي حول قضايا الصراع.

ويبدو للوهلة الأولى، أن استدعاء المجتمع الليبي للمشاركة في دفع المسار السلمي أمر عملي ومنطقي يلائم طبيعة الصراع في هذا البلد، والذي تتغلغل فيه العوامل القبلية والمناطقية والهوياتية من أسفل المجتمع إلى أعلى هرم السلطة، ومؤسساتها المنقسمة، لتتجلى في معضلات مزمنة مثل: المظالم القبلية، والتهميش التنموي المناطقي، والنزاعات المحلية حول الموارد، ومعضلة الأقليات والهويات، وغيرها.

ومثل هذه القضايا تحتاج إلى حوار مفتوح ومباشر لاكتشاف توجهات المواطنين ومقترحاتهم، بعيدا عن تشبّث قادة النزاع بمواقفهم وحسابات تحالفاتهم الداخلية والخارجية.

إلا أنه تبرز إشكاليات عديدة خلف الآمال الأممية المرجوة من المسار التشاوري الليبي، بعضها ينشأ من طبيعة السياقات التي أطلق فيها ذلك المسار، والأخرى تنصرف إلى ديناميات الحوار المجتمعي ومدى إمكان الرهان على فاعليته لإخراج ليبيا من أزمتها.

لا يمكن إغفال أن الاستدعاء المجتمعي ليكون شريكا في حلحلة الأزمة الليبية، جاء في أعقاب تعثر الخطة الأممية، ما يشي بأنه نوع من التوظيف الأممي البراغماتي لتحقيق نصر دبلوماسي، أكثر من كونه خطة ممنهجة لبناء قابلية حقيقية للسلام في البنى المجتمعية الليبية، لأن فشل المبعوث الأممي في تعديل اتفاق الصخيرات، وجمود مواقف فرقاء الصراع، جعلا المسار التشاوري أقرب ما يكون إلى الخيار السياسي الضاغط لإحراج قادة النزاع أنفسهم، بغية بلوغ محطة الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة.

البحث عن التوافق
البحث عن التوافق

وتحتاج ليبيا للوصول إلى هذه المحطة توفير أجواء متعددة أمنية وسياسية، والأهم منها، بناء قبول مجتمعي عام للخيار الانتخابي ونتائجه، كي لا تعاد دورة العنف مجددا بعد الاستحقاقات الانتخابية، كما حدث في العام 2014. بخلاف استيعاب المهمّشين، خاصة أنصار القذافي، في مسارات التسوية، ضمن المؤتمر الوطني الجامع الذي يفترض أن يعقب ذلك المسار التشاوري، وكذلك الاستفتاء على الدستور الذي لا يزال يمثل ساحة للخلاف حول مواد بين القوى الليبية.

وما يدلل على ربط المسار التشاوري بالخيار الانتخابي، أن سلامة كان قد صرّح في 21 مارس 2018، بأنه كلما اقتربت الانتخابات كانت التعديلات على اتفاق الصخيرات أقل أهمية، وأنه سيقوم بمحاولة أخيرة للتوافق.

واللافت أنه لم تظهر أي محاولة أخيرة في هذا المضمار، وإنما برزت بعدها بأسبوعين تقريبا الاجتماعات التشاورية، لتعبّر عن أن سلامة قرر حرق المرحلة المأزومة (تعديل الصخيرات) لتسريع إنفاذ خطته مع نهاية العام الجاري. ولو أن الأمم المتحدة كانت تتوخى عند صياغة خطتها الأممية استدعاء حقيقيا للرأي العام المجتمعي وتوجهاته ومقترحاته في تسوية الصراع، لكانت قد بدأت بذلك المسار التشاوري قبل ذلك أو على الأقل بالتوازي مع إطلاق خطتها في سبتمبر.

ومع بدء سلامة لاستدعاء الضغط المجتمعي، فإن القادة المتنازعين لم يوفروا الأجواء اللازمة للمسار التشاوري، وكأنهم ماضون في التعايش مع فكرة الانقسام وتعزيز نفوذهم المناطقي.

قبل أيام قليلة من إطلاق ذلك المسار أعلنت حكومة فايز السراج عن عملية عسكرية تحت مسمّى “عاصفة الوطن” ضد داعش قرب مدينة مصراته (غرب)، فيما صرح خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي عن قرب عملية تحرير مدينة درنة (شرق) من سيطرة التنظيمات الإرهابية، بخلاف الصراع بين حكومة الوفاق والجيش الوطني على النفوذ العسكري في مناطق الجنوب.

وتبرز إشكالية الوقت اللازم لفاعلية المسار التشاوري، أن اللجوء إلى بناء السلام من أسفل في المجتمعات المنقسمة استراتيجية طويلة الأجل، كونها تتعلق بقضايا ليس من اليسير حسمها في الأمد القصير، كبناء الثقة وتغيير المدركات، وتقريب المواقف من أجل التوصل إلى أرضية مشتركة بين الفواعل المحلية.

وليس من المتصور واقعيا أن تكون فترة الأربعة أشهر التي يفترض أن تستغرقها الاجتماعات التشاورية، كافية لبناء تلك الأرضية المشتركة بين نخب وقوى محلية منتشرة في أرجاء المدن الليبية، وعانت انقساما ونزاعا محتدما طيلة أكثر من سبع سنوات منذ سقوط نظام القذافي، بخلاف تكريس مصالح جماعات محلية باتت عقبة كؤود أمام السلام، مثل الميليشيات المسلحة.

التحدي الأمني ومحاربة التطرف
التحدي الأمني ومحاربة التطرف

ولوحظ أن جلسة التشاور التي عقدت ببنغازي مثلا خلصت إلى تشكيل مجموعات محلية من المجالس التقليدية والمرأة ورجال الأعمال والمجتمع المدني والكيانات السياسية والحقوقية والأكاديميين وغيرهم، وأن تلك المجموعات ستعكف على تعديل جدول الأعمال لإضافة بنود جديدة مثل المصالحة وجبر الضرر لضحايا الإرهاب والمتضررين. وبالتالي، فإن ديناميات عملية الحوار المجتمعي ستأخذ وقتا طويلا كي تصل إلى مرادها الفعلي في إحلال بيئة من المصالحة والقابلية للسلام.

وتبزغ إشكالية أخرى تتعلق بطبيعة قضايا المسار التشاوري التي يجري عليها الحوار، وتشمل أربعة مجالات أساسية، وهي: أولويات الحكومة والأمن والدفاع وتوزيع السلطات والعملية الدستورية والمسار الانتخابي.

وعلى أهمية تلك العناوين العريضة، كونها تعالج مجمل العمل لبناء الدولة ومؤسساتها، إلا أنه تكمن خلفها تعقيدات جمة، خاصة أنها تتطلب من المشاركين إبداء النظر في قضايا متسعة ومتعددة العناصر في وقت واحد، وبعضها ينطوي على تفاصيل فنية وإجرائية، ربما يصعب الخروج بتوافق عام حولها في وقت قصير، قياسا بما جرى من خلافات أخذت وقتا طويلا بين قادة النزاع أنفسهم، قبل الوصول إلى اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015، وسبقته جولات متعددة وطويلة بدأت حينذاك، منذ سبتمبر 2014، على يد المبعوث الأممي السابق برناردينو ليون.

ولولا الوقت الضاغط للمسار التشاوري، والذي بدا مرتبطا بالخيار الانتخابي مع نهاية العام، لكان من الأحرى للأمم المتحدة انتهاج استراتيجية الجولات الحوارية المجتمعية المتدرجة حول القضايا الأكثر تأثيرا في حياة المواطنين، والمتسببة بشكل مباشر في عدم الاستقرار الليبي، مثل الأمن والمصالحة، لتنتقل بعدها إلى قضايا التوزيع العادل للموارد واستيعاب الهويات، ثم المرور أخيرا إلى القضايا العملية، مع الشق السياسي والمتعلقة بالحكومة والدستور والانتخابات. وغالبا ما يكون الفرقاء أكثر قدرة على تجاوز عثرات الشق السياسي والدستوري، إذا امتلكوا بنية اجتماعية صلبة في مجالي الأمن والمصالحة.

6