مشروع إعادة بعث الأمة: الصين من قيود ماو تسي تونغ إلى انفتاح شي جين بينغ

تعديل الصين للدستور يمهد الطريق أمام الرئيس شي جين بينغ للبقاء في السلطة لأجل غير مسمى، بعد انتهاء فترة ولايته الثانية في عام 2023.
الثلاثاء 2018/03/13
وجه الطبقة الرأسمالية الجديدة

يقوّض التعديل الذي أجرته الصين على دستورها بما يمكن الرئيس شي جين بينغ من السلطة مدى الحياة، نظام “القيادة الجماعية” والخلافة المنظمة الذي أرساه الزعيم الصيني السابق دينغ شياوبينغ عام 1982، لمنع عودة التجاوزات الدموية التي جسدتها “الثورة الثقافية” التي قادها مؤسس الصين الشعبية ماوتسي تونغ، بين عامي 1966 و1976.

وبرر أعضاء المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني منح الرئيس فترة غير محددة في السلطة بأنه “يضمن الرخاء والأمن الدائمين للحزب والبلاد” و”دعم وتطوير الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد”، في رؤية تبدو في ظاهرها انقلابا على فكر مؤسس الشيوعية الصينية ماوتسي تونغ.

ويؤكد التغير في مدة ولاية الرئيس أن الصين تمضي قدما في مسارها الانفتاحي وستعمل على أن تكون “القوى العظمى” الأخرى، مع الولايات المتحدة، بحلول منتصف القرن الحالي. ويأتي هذا التغيير في ظل بوادر حرب اقتصادية مع واشنطن وضغوط غربية متزايدة على بكين بشأن ملفات حقوق الإنسان والديمقراطية وحرية تدفق المعلومات.

وتتوقع الدراسات أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة في التجارة الدولية في عام 2025، وبحلول عام 2035 ستكون الأولى في العالم من حيث حجم الدخل القومي الإجمالي، وبحلول عام 2050 سوف يبلغ الدخل القومي الصيني تقريبا ضعف الدخل القومي الأميركي.

حلم الصين

طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ رؤيته “حلم الصين” في إطار مشروع بعنوان “إعادة بعث الأمة الصينية”. ونجح في إجراء إصلاح اقتصادي ساهم في الحدّ من تراجع النمو الاقتصادي وتحجيم ملكية الدولة للصناعة وتنفيذ مشروع النقل البري العملاق طريق الحرير. وفرضت بكين سيطرتها على بحر الصين الجنوبي رغم المعارضة الدولية، وعززت نفوذها على الصعيد العالمي عن طريق ضخ المليارات من الدولارات في القارة الأفريقية والآسيوية.

ترافق ذلك مع نمو المشاعر القومية التي حضت عليها وسائل الإعلام الحكومية مع التركيز على شخصية جي بينغ إلى درجة أن البعض اتهموه بأنه يقود حملة إعلامية لتأليهه أسوة بالزعيم ماوتسي تونغ

والصين والولايات المتحدة في لعبة شد الحبل منذ مدة، التي تحولت إلى تكسير عظام في الفترة الأخيرة بعد فرض الرئيس الأميركي رسوما على واردات الحديد والألومنيوم، وفي العام الماضي سجل الميزان التجاري بين بكين وواشنطن بمقدار 100 مليار دولار عجزا أميركيا لصالح الصين، وفي نفس العام وصل الاحتياطي الصيني من الدولار فقط إلى 3 تريليونات دولار.

في ظل التحول الكبير في الاقتصاد الدولي، وتأهب الصين لحالة التدافع العنيف لتكون الاقتصاد الأول عالميا، أصبح المجتمع الصيني في حالة استنفار شديد لا مجال فيها لرفاهية الديمقراطية وألاعيب الانتخابات التي تربك المجتمعات، وهو ما قاد إلى التعديل الدستوري الأخير. وأكسب تنامي القوة العسكرية الصينية في السنوات الأخيرة بكين درجة عالية من الثقة بالنفس، ولم تعد تكترث كثيرا بالتهم التي يوجهها الغرب.

ويقود بقاء شي في منصبه لفترة أطول إلى تنفيذ مبادرته الشهيرة “طريق واحد وحزام واحد”، فالرئيس الصيني وقيادات الحزب الشيوعي أدركوا أن هذه المبادرة سيحتاج تنفيذها وتطويرها إلى فترات كثيرة من حكم الشخص الذي أطلقها وليس فترة واحدة، في ضوء أهمية هذه المبادرة، والتي تعد الجوهرة التي تفاخر بها الصين العالم، وهي حلم الطبقة الرأسمالية الجديدة وملتقى أهداف العسكريين التوسعية.

وتؤدي إتاحة الفرصة للرئيس الصيني الحالي إلى الكثير من التداعيات المهمة، أهمها تواصل المساعي للهيمنة على بحر الصين الجنوبي، الأمر الذي برز بوضوح منذ قدوم الرئيس شي إلى السلطة في عام 2013.

ومنتظر أيضا أن تستمر بكين في استكمال عملية إعادة بناء الجيش الصيني، فالرئيس شي أضفى على هذا الجيش، للمرة الأولى، صفة العالمية، لأن للصين الآن قواعد بحرية على مدخل البحر الأحمر وفي جنوب باكستان على مقربة من الخليج العربي وخليج عدن.

تعتزم القيادة الصينية الحالية تخصيص 175 مليار دولار لموازنتها الدفاعية للعام 2018، بزيادة 8.1 في المئة مقارنة بالعام الماضي، ما يماثل ثلاثة أضعاف الميزانية العسكرية اليابانية مثلا.

وتستخدم هذه الميزانية في تحديث القوات البرية والبحرية لمواجهة مثيلتها لدى الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة شرق وجنوب شرق آسيا، وسوف تستثمر أيضا في نشر المقاتلات الصينية الحديثة وبناء حاملة طائرات نووية، ويفضي كل ذلك إلى سباق ساخن للتسلح في منطقة شرق آسيا.

وقد يتسبب التعديل الدستوري والتبريرات التي صاحبته، في إقناع المزيد من دول وشعوب العالم بمنطق الضرورة لإعطاء سلطات أوسع وأرحب للقادة السياسيين.

وبالفعل لم يقو الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مقاومة الإغراء الذي يمثله مثل هذا التعديل، وتمنى أن تأخذ به الولايات المتحدة، ومع أن البعض نظر إلى هذه المقولة بسخرية، إلا أن الكثيرين أخذوا مقولة ترامب بجدية، فالجميع يعرف مدى عدم اكتراث الرئيس ترامب بالدستور والقانون، لكن في بلد مثل الولايات المتحدة تقوم على المؤسسات وأهم مميزاتها من الصعوبة تحقيق أمنية ترامب.

ينبع قرار الصين بترك سقف الرئاسة مفتوحا من إنجازات الرئيس الحالي، على المستويين الاقتصادي والعسكري، والتي حتمت الإبقاء عليه لاستمرار الصعود على الساحة العالمية والإقليمية.

7