مشروع إمبراطورية بوتين يهدد القيم الأوروبية

الاثنين 2014/02/10
بوتين هدد يانوكوفيتش بإلغاء المساعدات الموعودة ما لم يتم سحق المعارضة الأوكرانية

قبيل انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي وروسيا ، حذر السفير الروسي فلاديمير تشيجوف الاتحاد الأوروبي من مغبة “اختبار صبر بوتين”. وعلى امتداد السنوات الأخيرة، عمل كلا الجانبين على اختبار صبر بعضهما البعض وذلك من خلال سياسات الطاقة وحقوق الإنسان، وليس آخرها مسألة العلاقات مع الجوار المشترك لكل من الاتحاد الأوروبي و روسيا.

ولكن المسألة الأوكرانية قد ألقت بظلالها على كل المسائل الأخرى. فما وصف بالاحتجاج في بداية الأمر قد تحول لاحقا إلى انتفاضة وطنية. وتدريجيا بدأ الرئيس فيكتور يانوكوفيتش يفقد شيئا من الشرعية والسيطرة على البلاد في الوقت الذي يعمل فيه قادة المعارضة المزعومون على الاستفادة من الأحداث، ومن غير المرجح أن يكون للعقوبات تأثير كبير. وتبدو المفاوضات حول إجراء انتخابات لتغيير النظام الحالي صعبة المنال وعلى نحو متزايد.

وفي ظل هذه الأوضاع تدق كل من بروكسل وموسكو ناقوس الخطر إزاء هذه التطورات ولم يعد الحديث عن مبدأ الثقة مطروحا الآن. في ديسمبر الفارط وصف سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي الاحتجاجات بأنها “سيناريو سبق الإعداد له منذ فترة طويلة” بدافع من رغبة الاتحاد الأوروبي بهدف “وضعها تحت سيطرته مجانا”. ومنذ ذلك الحين تزايدت الاتهامات للغرب بتدخله في الشأن الأوكراني. وقد أثار تصريح لافروف بأن روسيا “ستقوم بكل ما في وسعها لإعادة الأوضاع إلى استقرارها الطبيعي” شكوك الاتحاد الأوروبي حول نوايا روسيا في هذا السياق.

إلا أن هذا الإنذار يؤكد فقط الاختلافات من حيث المبدأ والهدف. فالاتحاد الأوروبي يعتبر أن سيادة الدول المجاورة لروسيا هي أساس نظام ما بعد الحرب الباردة وهو ما يعني تمتع تلك الدول بحرية اختيار أهدافها وشركائها، كما ينطوي ذلك على مبدأ التحرر من الإكراه الاقتصادي الذي وقع التنصيص عليه في وثيقة بودابست عام 1994 وكانت روسيا من بين المصادقين عليه.

ومع اشتداد التنافس بين بروكسل وموسكو، سعى الكرملين إلى مناهضة ما يسميه ” بالمسيحية الغربية “. ولم تسع روسيا لترسيخ مبدأ نظام متعدد الأقطاب فحسب، وإنما مبدأ تكون فيه جميع نظم القيم المختلفة مشروعة على حد السواء. وعلى مدى السنوات العشر الماضية كسى فلاديمير بوتين النظام الإقطاعي الجديد لروسيا والنظام المتوحش على نحو متزايد بعباءة القيم السلافية الأرثوذكسية. ولكن هذا “المشروع الحضاري” يكتسي في الواقع حدودا فضفاضة. فهو يشمل المواطنين أينما كانوا يعيشون، كما أنه يطبق على جميع تلك الشعوب “التي أثرت فيها روسيا” ويطبق بكل تأكيد في مجال النفوذ الروسي المتميز في الخارج. ويظل نجاح هذا المشروع في الخارج رهين شرعية نظام الحكم في الداخل بشكل كبير.

وتعد أوكرانيا محور هذا البناء بأكمله في نفس الوقت. وعندما تقرر بولندا ودول البلطيق اعتماد معايير الاتحاد الأوروبي ، يعتبر ذلك اختيارا يعود بالأساس إلى تلك الدول، أما إذا قامت أوكرانيا بالخطوة نفسها فإن ذلك يعزز من فرص قيام روسيا بالشيء نفسه يوما ما. وهو منطق ليس بالجديد، حيث يعتقد الكثير من المصلحين العظام في روسيا، من الكسندر الثاني إلى ميخائيل غورباتشوف أن روسيا ستتعرض للخطر في حال وضع الأوكرانيون هوية سياسية خاصة بهم . وقد أعاد بوتين، الذي يعتبر – خطأ – كسوفياتيا من قبل منتقديه في المغرب، تجديد عقلية الإمبراطورية القديمة. .

وفي الأخير يسعى بوتين، بدفاعه المستميت عن أوكرانيا، إلى الحفاظ على مصلحته في الواقع. ولا أحد يعرف إلى أي مدى سيذهب في ذلك. في الأيام الأخيرة ذكرت تقارير أن بوتين حذر يانوكوفيتش من أنه قد يلغي المساعدات الموعودة ما لم يتم سحق المعارضة الأوكرانية، ويجب أن تحمل تلك التقارير محمل الجد. ولكن في الوقت الراهن مازال اللجوء إلى إجراءات أكثر صرامة – بما في ذلك التدخل العسكري – في طور البحث قبل التنفيذ. وقد أثبتت القيادة الروسية في حالات الرهانات الكبرى استعدادها لتحمل المخاطر ولكنها لم تكن في يوم ما متهورة. ولا يعرف حقيقة ما إذا كانت هذه المرة كذلك في ظل الظروف الحالية .

7