مشروع التفتيت وحلم الصهاينة

الثلاثاء 2014/02/11

لاشك أن الدول العربية مقسمة بحدود فرضها الغرب في ظروف لسنا بصدد ذكرها الآن، وقد أثبتت الأيام إمكانية حدوث توافق في بعض المواقف والرؤى بين هذه الدول المقسمة، كان أقواها هو التوافق العربي مع الانتفاضة الأولى عام 1987 التي لقيت فيها منظمة التحرير والشعب الفلسطينيّين الدعم والتأييد من كل الدول العربية وخصوصا دول الخليج على الصعيدين الشعبي والرسمي، ولم يتخلخل هذا التوافق إلا بعد غزو العراق للكويت عام 1990 والذي أدى لأن تنشغل دول الخليج عن مؤازرة القضية الفلسطينية، حيث كانت تتبناها سابقا لسببين رئيسيين أولهما أن منظمة التحرير وقفت في صف صدام حسين ضد الكويت ودول الخليج، وثانيا لأن دول الخليج أصبح لديها ما يشغلها ويقلق أمنها وهو صدام وجيوشه، التي لم تتوقف عن تهديدها، مما جعل الولايات المتحدة تتدخل بين الفينة والأخرى للقيام بعمليات عسكرية ضد العراق، مما أبقى دول الخليج في حالة حرب وتوتّر مستمرّين.

هذان السّببان كفيلان بأن توقف دول الخليج دعمها للقضية الفلسطينية، مما جعل الفلسطينيين يقبلون بالجلوس على طاولات الحوار مع المحتلين الصهاينة في مدريد، مما نتج عنه اتفاقية أوسلو عام 1993، بعد أن كان مجرد الحديث عن الجلوس مع المحتل على طاولة واحدة للحوار يعتبر خيانة للقضية الفلسطينية بالنسبة للفلسطينيين، مما يعتبر بالنسبة للكيان الصهيوني فتحا مبينا ومكسبا تاريخيا ومرحلة مفصلية في تاريخ الاحتلال الصهيوني لفلسطين.

من الطبيعي أن تسعى الولايات المتحدة لتحقيق أهداف استراتيجية لإسرائيل بحكم العلاقة بينهما، ومن الطبيعي أيضا أن لا يتوقف هذا التحرك، مادامت هناك أهداف استراتيجية تتعلق بأمن هذا الكيان الصهيوني “إسرائيل” الذي يعيش في منطقة لا ينتمي إليها لا ثقافيا ولا سياسيا، فهو بمثابة الجسم الغريب الذي يعيش في منطقة لاينتمي إليها.

إذا كان غزو العراق للكويت قد حقق للكيان الصهيوني هذه النقلة المفصلية في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، فمن الطبيعي أن يعيد الصهاينة الكرة ويخططوا لمشاريع تحقق لهم مصالحهم، ولا أعلى من مصلحة “الأمن” في كل بلد في الدنيا، ولكن الأمن وحده لايكفي فقد حقق الكيان الصهيوني مستوى مقبول جدا من الأمن بالنسبة له، حيث لم يتهدد أمنه سوى مع حادثتي انتفاضة الأقصى التي كانت استفزازا من شارون، وحرب 2006 مع ميليشيا ما يسمى بـ”حزب الله” التي كانت معركة غير متكافئة بين الطرفين سحق فيها الكيان الصهيوني لبنان ودمر بنيته التحتية بالكامل، ومن الطبيعي أن يخطط الصهاينة لأبعد من الأهداف الأمنية التي ستكتمل في حال ترتيب العلاقة بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية والتي ستحل مشكلة المستوطنات، وكذلك من الطبيعي أن يشمل التخطيط ترتيب العلاقة مع دول الجوار، وهذا ما لن يتحقق إلا في حال غربلة التقسيمات السابقة للدول العربية وتفتيتها إلى دويلات صغيرة ناشئة بحجم الكيان الصهيوني أو أصغر منه، وفي هذه الحالة ستكون الغلبة لإسرائيل التي تملك السلاح النووي والجيش القوي والإقتصاد الذي لاينقصه أن يكون قويا سوى بدأ التبادل التجاري مع دول الجوار التي لن تمانع بسبب هشاشة أنظمتها وبسبب وجود خلافات أكبر وأعمق من خلافاتها مع إسرائيل، تلك الخلافات التي ستكون بين تلك الدول الناشئة نفسها، كون التقسيم سيتم على أساس عرقي وطائفي مما سيرسخ الخلافات إلى الأبد.

هذا السيناريو ليس من نسج خيالاتنا وبنيات أفكارنا، وإنما هي مقترحات ودراسات سابقة قامت بها إسرائيل، حيث عرضت مجلة “المنظمة الصهيونية العالمية” في عددها الصادر في فبراير عام 1982 وثيقة علنية لتقسيم المنطقة العربية، وهي عبارة عن دراسة كتبها (عديد فرنون) نصت على تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات: سنية وشيعية وكردية، وتقسيم السودان إلى أربعة مناطق يفصل فيها الشمال عن الجنوب كما نصت على تقسيم مصر وسوريا.

وقبل هذه الدراسة، كما جاء في كتاب “صراع المصالح”، أن وثيقة نشرت في كتاب بعنوان “خنجر إسرائيل” وقد اطلع عليها الرئيس المصري جمال عبدالناصر آن ذاك، منسوبة إلى هيئة الأركان الإسرائيلية، تدعو إلى تفكيك المنطقة إلى دويلات وتتحدث عن إنشاء دولة درزية في منطقة الصحراء وجبل تدمر ودولة شيعية في جبل عامل ونواحيه وأخرى مارونية هذا بالنسبة للبنان، ودولة علوية في اللاذقية حتى حدود تركيا، ودولة كردية شمال العراق، وتضيف الوثيقة: وتبقى المناطق العربية التالية: دمشق، جنوب العراق، مصر، وسط المملكة العربية السعودية وجنوبها، ومن المرغوب فيه إنشاء ممرات غير عربية تشق طريقها عبر هذه المناطق العربية.

وهذا يبين سبب دعم الغرب لما سمي بالربيع العربي الذي عمل على إنهيار كيانات بعض الدول العربية ليستحيل بعد ذلك عودتها كدول بكيانات واحدة كما كانت في السابق، ويفسر عُلُوّ الخطاب الطائفي في المنطقة وطغيانه على المشهد السياسي، وإعطاء شرعية سياسية لشخصيات طائفية لتلعب دورا محوريا في الشأن السياسي في المنطقة، وإفساح المجال لإيران لتدفع نحو دعم كل ما يحمل صبغة طائفية في المنطقة.

وقد حمل شارون إلى بوش مشروع بعنوان “اتحاد دول الشرق الأوسط” وكان ذلك في 7 مايو 2002، يقضي بتفكيك الجامعة العربية وتكوين كيان جديد يضم تركيا وإسرائيل وتكون أمريكا عضوا فيه بصفتها كـ”مراقب”. ومن خلال هذه الوثائق نرى اليوم أن الأمور تسير بكل وضوح في هذا الإتجاه، خصوصا بعد إسراع إسرائيل للضغط على الفلسطينيين لإجراء إتفاق سلام جديد تكون فيه المستوطنات الاسرائيلية تحت السلطة الفلسطينية ، وهذا ما سيحل أكبر مشكلة تواجه عملية السلام التي تعرقلها المستوطنات.

بعد أن تعرقل مشروع ما يسمى بالربيع العربي ولم يتمكن من الوصول إلى دول الخليج العربي، فلا بد من وجود خطط بديلة لتحقيق ذات الهدف الذي هو قناعة راسخة لدى الصهاينة تمسكوا بها منذ عهد عبدالناصر إلى يومنا هذا، وهذا ما يجعلنا نؤكد وجود خطط بديلة لتحقيق ذات الهدف الراسخ في أذهانهم.

نعم نؤمن بقوله تعالى: “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”. ولكن ماذا أعددنا نحن كدول لمواجهة هذه المشاريع، هذه المشاريع قامت على تهييج الشعوب وتحريكها من الداخل عبر وسائل الإعلام التقليدية والإعلام الإجتماعي، ولم نر أي مشروع مضاد للتصدي لهذه المشاريع من قبل حكوماتنا!

إن الفشل الأول قد يعني تفادي الأخطاء في المحاولة الثانية، وهو ما حصل في مصر بعد فشل حركة “كفاية” فتم تفادي الأخطاء في حركة “6 إبريل” فهل تدرك دولنا هذه الحقيقة؟

إن لم تكن لدينا مشاريع وقائية لأفكار الشعوب تقيها من حرب المفاهيم التي تواجهها دولنا، فسيكون تحقق مشاريع التقسيم متاحا في دولنا عبر الثورات أو عبر أي عامل داخلي، وفي هذا العصر غير التقليدي لن تنفع الأساليب التقليدية في التصدي لهذه المشاريع التي درست بعناية.


كاتب صحفي كويتي

8