مشروع المجلس الوطني للصحافة محصلة للتناوب السياسي بالمغرب

يعتبر مشروع إحداث المجلس الوطني للصحافة في المغرب محصلة مهمة لسنوات طويلة من النضال والحوار والشراكة بين المعنيين من حكومات متعاقبة وممثلي الجسم الصحفي، وسيتيح إمكانيات مهمة في مجال توسيع حرية الرأي بالبلاد.
الخميس 2015/08/06
إحداث هيئة مرجعية ومستقلة لتنظيم الإعلام سيكون له تأثير إيجابي في توسيع الحريات

أكد عبد الحكيم قرمان، الخبير الدولي في الملكية الفكرية أنه ينبغي النظر إلى مشروع إحداث المجلس الوطني للصحافة بالمغرب كمنجز هام للبلاد، ومساهمة أكيدة في تعميق المسار الديمقراطي للمغرب، فهو أحد أهم المداخل المؤسساتية المنوط بها القيام بالتنظيم الذاتي للمهنة٬ بالإضافة إلى كونه سيشكل إطارًا لتعزيز استقلالية العمل الصحفي.

وأشار قرمان وهو الكاتب العام لمركز الدراسات والأبحاث عزيز بلال، في حوار مع “العرب”، بأن النقاش بشأن هذا المشروع الهام ليس وليد اللحظة، فقد تبلورت ملامحه الأولى مع انطلاق تجربة التناوب السياسي بالمغرب منذ أواسط تسعينات القرن الماضي واتضحت معالمه الكبرى مع إعلان الدولة عن رفع الاحتكار للمجال الإعلامي، السمعي البصري، بإحداث الهيئة العليا للسمعي البصري، وصدور قانون تحرير القطاع، بموازاة فتح ورش التداول وإصلاح قانون الصحافة والنشر، منذ أكثر من عقد من الزمن.

وصادق المجلس الحكومي، الأسبوع الماضي، على مشروع يقضي بإحداث المجلس الوطني للصحافة. ويندرج هذا المشروع في إطار تنزيل أحكام الفصل 28 من الدستور الذي ينص على أن السلطات العامة تشجع على تنظيم قطاع الصحافة بكيفية مستقلة وعلى أسس ديمقراطية، وعلى وضع القواعد القانونية والأخلاقية المتعلقة به.

ويرى قرمان، أن هذا المشروع، يمكن اعتباره، محصلة جيدة لحصاد سنوات طويلة من النضال والحوار والشراكة بين المعنيين (حكومات متعاقبة، ممثلي الجسم الصحفي ومهنيي النشر بالقطاع) ومما لا شك فيه أن إحداث هيئة مرجعية ومستقلة للتنظيم الذاتي والوساطة والتحكيم ووضع المعايير المهنية المستجيبة لثنائية الحرية والمسؤولية، سيكون لها تأثير إيجابي سواء في مجال الممارسة السليمة مهنيا، وكذلك ستتيح إمكانيات مهمة في مجال توسيع حرية الرأي بالبلاد وتيسير الولوج إلى المعلومة في نطاق منظومة قانونية وميثاق للأخلاقيات ووفق الضمانات الدستورية.

المشروع هو تجسيد للمقتضيات الدستورية ومساهمة أكيدة في تعميق المسار الديمقراطي للمغرب وتوسيع مجال الحريات

وردا على الانتقادات بشأن توقيت إخراج مشروع إحداث المجلس الوطني للصحافة، قال الخبير الإعلامي لـ"العرب" إن السياق الزمني الذي تمت خلاله المصادقة الحكومية على هذا المشروع، والذي يتزامن مع فترة الانتخابات المحلية وفي أفق الاستعداد للانتخابات البرلمانية السنة المقبلة 2016، فهذا أمر لا ينبغي الالتفات إليه بهذه الرؤية الظرفية، ذلك أن مجمل هذه المشاريع، ليس من اختراع هذه التجربة الحكومية بعينها، بل هي خلاصة مسلسل عمل تشاركي ممتد لسنوات خلت، وينبغي أن ينظر إليه كمنجز هام للبلاد، وهو تجسيد للمقتضيات الدستورية ومساهمة أكيدة في تعميق المسار الديمقراطي للمغرب وتوسيع مجال الحريات في نطاق دولة القانون والمؤسسات.

وأشاد قرمان، بالرجوع إلى استقراء مختلف المواقف والمقاربات المعبر عنها طيلة مسار التداول والإنضاج لهذا المشروع، وخصوصا ما يتصل بالتحفظات والانتقادات الموجهة لوزارة الاتصال من شركائها، سواء في النقابة الوطنية للصحافة المغربية، أومن بعض المكونات الإعلامية والحقوقية بالبلاد.

يتبين أن هناك قضايا وأسئلة لازالت مطروحة من حيث المنهجية المعتمدة من الوزارة، وكذلك الأمر بالنسبة لبعض المقتضيات القانونية والوظيفية المتصلة بالمضامين الجديدة لمدونة الصحافة والنشر، أو بإحداث ومأسسة (البناء والأداء) “المجلس الوطني للصحافة”.

وبالرغم من هذا يعتبر الخبير الإعلامي أن المشروع، مكسبا ديمقراطيا للبلاد، وإنجازا مشرفا لمسار طويل من النضال الحقوقي والسياسي لأجيال من نساء ورجال مهنة المتاعب “صاحبة الجلالة”، بحسب تعبيره.

وتناول الحديث قضية إبدال العقوبات الحبسية ضد الصحفي بأخرى مادية، والانتقادات التي طالتها بأنها تحايل وليست مكسبا للصحفيين، فأوضح قرمان لـ”العرب” أن مسألة استبدال العقوبات الحبسية في حق الصحفيين بالغرامات في حالات الإخلال بأعراف ومعايير المهنية، يجد مبرراته في ما تم تسجيله من بعض “الهفوات والممارسات” الغير مستجيبة للحرفية والموضوعية والنزاهة الفكرية و”سوء استعمال المهنة” في بعض الأحيان لأغراض أخرى، وبالتالي فإن الحرص على ضمان احترام حقوق كل المواطنين على قدم المساواة بموجب الدستور، لا يجعل الصحفي “مواطنا من نوع خاص".

عبد الحكيم قرمان: المشروع إنجاز مشرف لمسار طويل من النضال الحقوقي والسياسي

وتم إحداث “المجلس الوطني للصحافة” كهيئة مستقلة وناظمة لخيوط ممارسة المهنة عبر وضع مكوناتها الإعلامية والصحفية المشكلة لها، بشكل ديمقراطي ومستقل عن الوصاية الحكومية، وهو ما يراه الخبير أنه سيمكن من إدارة وتدبير المجال بشكل ذاتي أوسع.

وسيلزم مكوناته الإعلامية والصحفية من عدم بث أو ترويج أو نشر أي شكل من أشكال الممارسة الصحفية بغرض الإساءة أو المس بحقوق المواطنين أو التشجيع على العنف والكراهية والتمييز بين الناس.

وكان وزير الاتصال المغربي مصطفى الخلفي قد تحدث في وقت سابق عن لوبيات مالية تحكم الإعلام وتوجهه بما يخدم مصالحها، ففسرها قرمان من خلال ثلاثة مستويات:

الأول يكمن في تكريس نوع من الممارسات غير المهنية، وتراكم هذه الممارسات المختلة لعقود من الزمن لتشكل في النهاية “أعرافا” و”تقاليد” في ثنايا القطاع.

ثانيا، في هيمنة بعض قوى الضغط الاقتصادية والسياسية أحيانا في التأثير وصياغة المشهد الإعلامي والصحفي في مراحل سابقة تميزت بالصراع والمناقضة من أجل فرض توجهات معية لاحتكار القطاع.

وثالثا، في ارتباط المجال الإعلامي عموما والصحفي خصوصا، بمرحلة احتدام الصراع في الحقل السياسي في “زمن الرصاص”، لما اعتبر حينها بأنه “المجال الحيوي” للضغط وحسم المعارك السياسية وتشكل الرأي العام لفائدة هذا الطرف أو ذاك.

واعتبر قرمان أن من الطبيعي، أن تشكل طيلة هذه المراحل لوبيات مالية مؤثرة تسعى على الدوام للتأثير في هذا الاتجاه أو ذاك، لكن المغرب اليوم وفي ظل المتغيرات التي أتى بها العهد الجديد، وبالنظر للتحولات القيمية والمجتمعية للمكونات الحقوقية والمهنية للقطاع، الدافعة باتجاه تكريس المقتضيات الدستورية المتقدمة في مجال ضمان ممارسة وحماية المهنة، يبشر بمرحلة جديدة وواعدة في إصلاح وتنظيم وتطوير المهنة.

18