مشروع "المسجد الأعظم" في الجزائر.. لزوم ما لا يلزم وتكريس لأصولية متأصلة

اقتراب مرحلة تدشين المسجد يعطي الانطباع بأن الصرح سيكون رمزا لافتا في العاصمة الجزائرية رغم ما يثار حوله من جدل.
الاثنين 2018/08/27
وجه جزائري متعب

الجزائر – ساقت أقدار الجزائر الحديثة، أن تكون رموزها المعمارية، محل جدل محتدم حتى قبل أن ترى النور، ولسوء حظ تلك المعالم أن مرحلة تشييدها تتزامن مع الأزمات الاقتصادية وتراجع عائدات الخزينة، ومع انتقادات لاذعة لها، فكما تزامن بناء معلم “مقام الشهيد” في العاصمة مع أزمة ثمانينات القرن الماضي، ومع هجوم الإسلاميين الذين لقبوه آنذاك بـ”هُبَل”، يمر مسجد الجزائر الأعظم بظروف مشابهة، حيث تعيش البلاد أزمة اقتصادية أخرى، وهجوما اجتماعيا وأيديولوجيا واسعا، من الناقمين على الوضع الاجتماعي وتدهور مختلف الخدمات، ومن دوائر أيديولوجية تعتبره تكريسا لهيمنة الأصولية.

ينظر الجزائريون بعيون مختلفة إلى مشروع مسجد الجزائر الأعظم، لارتباطه بتفاصيل المرحلة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها البلاد خلال العقدين الأخيرين، ففيما يعتبره البعض انتصارا معنويا وروحيا على الهوية الاستعمارية وتجسيدا لثوابت دينية وحضارية، يراه آخرون أنه رمز للسلطة المغضوب عليها، ونوع من أنواع سوء تدبير شؤون البلاد، فتكلفة المسجد بإمكانها بناء عشرة مستشفيات عالمية تنهي معاناتهم مع تدهور الخدمات الصحية وتحفظ كرامتهم.

ويمثل مشروع المسجد الأعظم معركة أيديولوجية غير معلنة بين طموح استعماري فرنسي، لبناء أكبر كنيسة في القارة الأفريقية في ضاحية “لافيجري” آنذاك، نسبة للأب المبشر الكاردينال شارل مارسيال لافيجري الذي كان يشرف على حملات التبشير ونشر المسيحية في الجزائر بدعم من السلطات الاستعمارية، وبين طموح سلطة الاستقلال لبناء أكبر مسجد في البلاد في ضاحية  “المحمدية”، من أجل إرساء سيادة واستقلال وهوية البلاد، ولما تمثله هذه التسمية من رمزية دينية.

ورغم الجدل الذي لف المشروع منذ إطلاقه في بداية الألفية بقرار من الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، تنفيذا لطموحات أسلافه، إلا أن اقترابه تدريجيا من مرحلة التدشين، يعطي الانطباع بأن الصرح سيكون رمزا لافتا في عاصمة البلاد رغم ما يثار حوله من جدل، ومن تأخر كبير في وتيرة الإنجاز، حيث تحدثت وعود سابقة عن العام 2015 لدخوله الخدمة، في حين توحي التوقعات بأن الأمر لن يكون قبل نهاية العام الجاري.

وتشير بطاقة المشروع إلى أن مسجد الجزائر الأعظم، سيكون أكبر مساجد البلاد وأفريقيا، وثالث أكبر مسجد في العالم بعد مكة والمدينة، حيث يتربع على مساحة تفوق 25 هكتارا، وبه أطول مئذنة في العالم بارتفاع يفوق 265 مترا، ويطل على خليج الجزائر في ضاحية المحمدية (لافيجري سابقا)، واضطلع بتصميمه مجمع معماري ألماني، ويضم قاعة صلاة رئيسية تتسع لـ120 ألف مصل، ومكتبة تحتضن ألفي شخص، فضلا عن مدرسة لتعليم القرآن الكريم وعلومه، وقاعات للمحاضرات والمؤتمرات ومراكز ثقافية وإعلامية وحدائق، بالإضافة إلى حضيرة تتسع لستة آلاف سيارة.

الشارع المحايد يعتبر المشروع سوء تدبير لشؤون البلاد وعدم احترام السلطة للأولويات الاجتماعية والاقتصادية

وتراهن السلطة الجزائرية على جعل المشروع مركز إشعاع حضاري وديني، يكرس خطابها في إرساء قيم الوسطية والاعتدال ومحاربة التطرف، ومقرا مركزيا تجتمع فيها مختلف الهيئات الدينية كالمجلس الإسلامي الأعلى وسلطة الإفتاء ومختلف التظاهرات والملتقيات، بغرض وضع حد للفوضى السائدة، لا سيما بعد تغلغل بعض التيارات الدينية والمذهبية وإحكام قبضتها على بعض المساجد والمؤسسات الدينية.

ويتعرض المشروع منذ الإعلان عنه إلى انتقادات داخلية وخارجية، ففضلا عما يعتبره الشارع المحايد سوء تدبير لشؤون البلاد وعدم احترام السلطة للأولويات الاجتماعية والاقتصادية، تدرجه تيارات دينية متشددة في ما تسميه بـ”الرياء والبدع”، في إشارة إلى اللمسة المعمارية وللأهداف التي تطمح إليها السلطة في جعله قلعة من قلاع المذهب الصوفي الذي يحظى بدعمها ورعايتها له.

ولا يزال الغلاف المالي المخصص لتشييد المشروع مجهولا، فبعدما أعلنت الحكومة في وقت سابق عن تخصيص مبلغ مليار و400 مليون دولار، تتحدث مصادر عن استهلاك المشروع لأكثر من ملياري دولار، بسبب التأخر المسجل في عملية الإنجاز، وتداول عدة شركات أجنبية على العملية، فضلا عن العوائق الفنية، مما رشحه لأن يكون من ضمن المشروعات المعنية بقرار التجميد، بسبب شح الموارد المالية بعد أزمة 2014، إلا أن إصرار السلطات العليا للبلاد أخرجه من اللائحة المعنية بالتجميد.

وكانت دوائر فرنسية ممثلة في بعض وسائل الإعلام وجمعيات وأحزاب سياسية، قد شنت حملات انتقاد شديدة للمشروع، بسبب تحرك وازع الصراع الأيديولوجي والحضاري والماضي التاريخي بين البلدين والشعبين، فضلا عن عدم استفادة الفرنسيين من ريع المشروع، بعدما أسندت أشغاله للألمان والصينيين، وعملت على بث شائعات للتشكيك في جدوى المشروع، بعدما زعمت أنه أقيم على حيز جغرافي زلزالي، وعدم قدرة التصميم على مقاومة حركة الأرض في العاصمة.

ويشكل تخلي وزارة الشؤون الدينية عن عرض من أحد الخواص الإيرانيين، لفرش المسجد بالسجاد الإيراني المتميز، رسالة لتحييد المشروع عن أي بعد حضاري أو مذهبي أو تأويل سياسي، ولتأكيد إرساء الثوابت الحضارية والهوية المحلية على الصرح الديني، ليكون بذلك رمزا من الرموز المعمارية التي تحتضن تاريخ البلاد وبصمة من بصمات سلطة الاستقلال.  

ويذكر وزير الشؤون الدينية الأسبق والرئيس الحالي للمجلس الإسلامي الأعلى، بأننا “عندما نقول جامع الجزائر لا يعني العاصمة، إنما جامع الجمهورية الجزائرية، ولم نحبذ القول جامع الجمهورية لأن مصطلح الجمهورية جديد بالنسبة للجزائريين، وهو مشروع الرئيس الراحل هواري بومدين، لكن لم تأت المناسبة لكي ينجز، وحينما ترأس الرئيس بوتفليقة البلاد، عرضنا عليه الفكرة، أعجبته كثيرا، لكنه أصر على أن يكون نموذجا كبيرا يأخذ بعين الاعتبار الجانب الحضاري والتاريخي، فهو يستمد تصميمه من التراث المعماري الجزائري على مر العصور، بداية من دولة المرابطين إلى غاية الأتراك، ثم بصمة من بصمات الجزائر الحديثة، من أجل أن يكون عنوانا للدولة الجزائرية الحديثة الدينية”.

13