مشروع بيان ضد الخوف

الاثنين 2016/07/11

يجعل الخوفُ الناسَ أشرارا سيئين منافقين، يجعلهم يستمرئون العيش بين العتمات في الخفاء، ويُخْفُون حوائجهم خلف أقنعة التستر عند الابتلاء، وستائر التحجّب عند الرياء، وثقافة التمكين والكتمان عند الاقتضاء.

يجعل الخوفُ الناسَ يُظهرون باللسان غير ما يُبطنون في الوجدان، لكنهم يُظهرون في كل أحوالهم أرذل ما فيهم من خصال كامنة أو دفينة، من قبيل البراء بالقلب والولاء باللسان، فيصبحون من أسوأ الخَلق خُلُقا، ومن أقبح الناس قولا وفعلا وانفعالا، بل يصبحون خطرين على أنفسهم إذا تحمسوا، وعلى الآخرين إذا يئسوا. أليس يقال في بعض مجتمعاتنا المحلية: احذروا ضربة الخواف؟

يجعل الخوفُ الناسَ لا يجرأون على النقد والتمرّد، لكنهم ساعة العصيان سرعان ما يقترفون أفظع الجرائم وأشنع الأعمال.

يجعل الخوفُ الناسَ يغرقون في أوحالهم جاثمين خانعين لا يحركون ساكنا، لكنهم ساعة الانفجار يدكون الأرض دكا فلا يتركون حجراً على حجر؛ ذلك لأن الخائفين أشخاص فاقدون للثقة في كل المباني والمعاني والأماني والأشياء “يحسبون كل صيحة عليهم” كما يقول الذكر الحكيم، وإنهم لخائفون من أنفسهم بالذات.

يجعل الخوفُ الناسَ لا يتورعون عن ممارسة أسوأ الرذائل: الغدر والمكر والكذب والرياء والخذلان. لذلك، إن كان هناك ما يجب الخوف منه فهو الخوف نفسه، بل هو الخوف بالذات.

إذا استشرى الخوف في أوصال المجتمع، قد يفقد الناس ثلاث قدرات أساسية، هي من صميم الشرط الإنساني، بل هي جوهر الإنسان: القدرة على التفكير، القدرة على الحب، والقدرة على الاحترام. فماذا يتبقى؟ لنتكلم في التفاصيل: الإنسان الخائف من الله، أو من الطبيعة، أو من السلطة، لا يمتلك أولا القدرة على التفكير، سواء في قضايا الدين أو العلم أو السياسة. لماذا؟ بكل بساطة لأنّ الخوف يُعطل العقل ويشلّ قدرة الإنسان على التفكير في أي أمر من الأمور؛ وهو ثانيا لا يمتلك القدرة على الشعور بالحب. لماذا؟ لأنّ الخائف لا يمتثل لمصدر الخوف إلاّ تزلفا ومسكنة ونفاقا، حتى ولو تظاهر بالعكس؛ وهو ثالثا لا يمتلك القدرة على الاحترام. لماذا؟ لأنّ العلاقات القائمة على الخوف لا تقوم سوى على ثنائية الطاعة أو العصيان. الطاعة (الولاء، التسليم، الخضوع، إلخ)؛ العصيان (العقوق، النشوز، الخروج، إلخ). أما علاقات الاحترام فهي قائمة على الاعتراف المتبادل والمتكافئ بين ذوات مستقلة. الاحترام مثل الحب إن لم يكن متبادلا ومتكافئا فإنه سرعان ما يفقد معناه. الخائف من الله، أو من الطبيعة، أو من السلطة، لا يمكنه أن يكون مواطنا بأي معنى من المعاني، ولا بأي حال من الأحوال، بل يصبح مجرد رعية تنقاد مع القطيع انقيادا غريزيا. أما المواطنة فهي تقتضي أولا وقبل كل شيء وجود ذوات حرة واعية مستقلة، تحكم نفسها بنفسها، وتمتلك حدّاً أدنى من المسؤولية والصدق والالتزام. أما ثقافة الخوف فإنها تنتج في الحساب الأخير كائنا منافقا، يصدق عليه الحديث النبوي “إذا أؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر”.

إذا كان الأمر كذلك فإن الخطاب الديني السائد عندنا في مساجدنا ومجالسنا ومدارسنا لا ينمّي القدرة على التفكير الحر، والمحبة الصادقة، والاحترام المتبادل، بل خلاف ذلك، ينمي ثقافة التسليم والطاعة والخوف. ذلك أنه خطاب يراهن في الحساب الأخير على تأجيج مشاعر الرهبة والترهيب من كل شيء على وجه التقريب؛ حشرجة الموت، أهوال القيامة، عذاب القبر، غضب الله، علامات الساعة، الدجال الأعور، إلخ. الأدهى من ذلك كله، ظنُّ الكثيرين بأن الخوف شرط لبناء الأخلاق الحميدة. وهذه فرية كبرى راسخة في موروثنا الثقافي، يستثمرها الكثيرون لأغراض قد تتعلق بالسلطة أو الفتنة أو كليهما.

للمزيد من التوضيح سنحاول استعادة المشهد التالي: شخص “يجاهد” من أجل قضية يراها عادلة، فجأة تحاصره الشرطة، تفاوضه عبر مكبر الصوت، لكنه بدل أن يفاوض ويدافع عن نفسه أو يبلغ رسالته إلى المتحلقين حوله من تعساء الحظ، فإنه يفجر فيهم نفسه بالحزام الناسف وينهي الموقف. السّؤال، ما الدافع إلى أن يقتل نفسه ويجرّ معه البعض من العابرين بالصدفة، أهو الجبن عن مواجهة الموقف أم الشجاعة المفرطة؟ الإجابة لا تتطلب الكثير من التأمل: الشخص الذي يكافح من أجل مبادئه وقيمه وقناعاته بجرأة وشجاعة، سيواجه الموقف بمروءة وثبات حتى الرمق الأخير، إن اعتُقل كان اعتقاله فرصة لمواجهة المحكمة وإسماع صوته والدفاع عن قضيته، وإن حوصر في مكان ما اعتبر الأمر فرصة للتفاوض والتصريح بمطالبه وتبليغ رسالته على أمل أن يتفهمها آخرون، أما أن يفجر نفسه لمجرّد سماع صفارة الشرطي، فهذا أبعد ما يكون عن المروءة أو الشهامة، اللهم إذا كنا سنعيد قراءة القيم الإنسانية والمفاهيم الأخلاقية بالمقلوب.

طيب، لكي لا ننسى، لدينا درس محوري في الفلسفة المعاصرة (هيغل، نيتشه، كوجيف…): ثمّة نوعان من الأخلاق، أخلاق السادة وأخلاق العبيد. المقصود بالسادة سادة أنفسهم، والمقصود بالعبيد أولئك الكسالى الذين يحتاجون دائما إلى من يفكر لهم، ويقرر لهم، ويفتي لهم، في كل مسائلهم ومشاكلهم. عموما، تلك الأخلاق تظهر أكثر ما تظهر عندما يشتدّ الصراع، سواء في إطار سلمي أو في إطار عنيف. السادة – بالمعنى الأخلاقي الفلسفي للكلمة – يكافحون بشهامة، يدافعون عن مواقفهم باستماتة، تبقى رؤوسهم مرفوعة حتى الرمق الأخير، وفي الأوقات الحرجة لا يفوتون الفرصة لتبليغ رسائلهم بثقة ومروءة وثبات. أما العبيد – بالمعنى الأخلاقي الفلسفي للكلمة – فلا يكافحون، بل يطعنون غيلة، ويفجرون غدرا، ثم ينسفون أنفسهم لكي يتلاشوا فرارا إلى أعالي السماء كما يتصورون.

كان الدرس الأخير لسقراط بليغا، رافع باستماتة ثم رفض الهروب من زنزانة الإعدام حين رسم له بعض تلاميذه الأوفياء خطة الهرب، مفضلا مواجهة الحكم بشجاعة على أن يعيش هاربا متخفيا مثل الجبناء. لا شك في هذا؛ تحرير الإنسان من الخوف هو رأس الحكمة بمعناها الفلسفي الأكثر أصالة، سواء لدى الأرسطيين أو الأبيقوريين أو الرواقيين، أو لدى الفلاسفة المعاصرين.

على هذا الأساس يمكننا أن ندرك فحوى السؤال: ما الذي يجعل الفلسفة مزعجة لكل الأيديولوجيات الأصولية والشمولية؟ الإجابة في أربعة عناصر، وباقتضاب:

أوّلا، الخوف لا يصنع الفضيلة تبعا لرأي كبار الفلاسفة (سقراط، أفلاطون، سبينوزا، روسو، كانط، هيغل، وصولا إلى لوك فيري اليوم). ثانيا، الخوف يعطل العقل، ويشل الإرادة، ويغتال الرّغبة، فينشئ في الأخير مجتمعا من المنافقين الكارهين الشامتين الحاقدين. ثالثا، إذا كانت الأيديولوجيات الأصولية والشمولية تتفق حول معاداة الفلسفة، فلأنّ وظيفة الفلسفة في آخر المطاف تحرير الإنسان من كل أشكال الخوف، وعلى رأسها الخوف اللاهوتي والخوف السياسي. رابعا، حين يتحرر الإنسان من الخوف يستطيع استعمال عقله بلا حِجر ولا وصاية. وهذه هي الرسالة الأساسية للتنوير.

عندما يقول كانط، كن جريئا في استعمال عقلك، فهو يدرك بأن استعمال العقل يستدعي الكثير من الجرأة والشجاعة. بل – هذا هو المعطى الأهم – يعلم بأن التنازل عن التفكير مجرد جبن قد يستهوي الكسالى، بل لعله الجبن الأكبر داخل كل المجتمعات القائمة على تمجيد قيم السمع والطاعة.

واضح للعيان أن الرهان الأساس للخطاب الديني السائد عندنا في مساجدنا ومجالسنا ومدارسنا، لا يزال متعلقا بتخويف الناس من إعمال العقل ومن التفكير. وهذا ما يجعل الخطاب إياه -بصرف النظر عن النوايا المعلنة – يمثل بيئة حاضنة لمظاهر الغلو والكراهية والتطرف والشماتة والتشفي والفتنة الدائمة، نائمة كانت أم قائمة.

عندما زرت تونس عقب سقوط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، كنت أجول وأقرأ في الشعارات المكتوبة على جدران العاصمة عبارة متكررة “لا خوف بعد اليوم”. وقتها قلت في نفسي “هذا هو الرهان الأكبر الآن”.. لكن السؤال، ألا يقتضي تحرير الإنسان – المواطن من ثقافة الخوف، تحرير الإنسان – المؤمن من ثقافة التخويف والترهيب، لا سيما وأن الخطاب الديني عندنا يهيمن على الرؤوس والنفوس، على الأذهان والوجدان، ولا سيما أيضا وأن الإنسان عندنا لا يزال يتصرف داخل الفضاء العمومي كمؤمن متدين أوّلا، ثم كمواطن في بعض الأحيان؟

كاتب مغربي

9