مشروع تشريح العقل المتطرف.. إعلان الحرب الفكرية على الإرهاب

قناعة راسخة أجمعت عليها كل القراءات المهتمة ببحث سبل التصدي للتطرف والإرهاب، قوامها أن مواجهة الإرهاب لم تعد قضية أمنية أو عسكرية فقط، بل تحولت إلى مشغل له امتداداته الفكرية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، وأن جهود محاربة الإرهاب لن تكلل بالنجاح في غياب مواجهة الفكر المنتج للظاهرة. في هذا الصدد يندرج مشروع تشريح العقل المتطرف، الذي أطلقه مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة والساعي لفهم العنصر المتطرف والعوامل الأساسية الدافعة إلى نزوعه نحو التطرف.
الاثنين 2017/07/31
جلسة عصف أفكار لفهم دواعي النزوع نحو التطرف

بدأت دار الإفتاء المصرية بوضع أسس علمية ومنهجية لمواجهة الأفكار المتطرفة والتكفيرية، من خلال مشروع يعتمد على تشريح العقل المتطرف، في خطوة تعكس التغيير الواضح في إستراتيجية المؤسسات الدينية نحو التعامل مع أصحاب الفكر المتطرف ومواجهتهم بالحجة والبرهان وتفنيد الأفكار التي يحملونها وتفسيرها ومحاولة فهمها للحيلولة دون استقطاب المزيد من الشباب وسقوطهم في دوامة الإيمان بنفس هذه الأفكار.

تقوم فكرة مشروع تشريح العقل المتطرف، الذي أطلقه مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية أخيرا، على فهم وتشريح الفرد المتطرف والعوامل الأساسية والدافعة نحو التطرف، والمراحل التي يمر بها المتطرف وصولا إلى الانضمام لتنظيم إرهابي ثم القيام بالعمل الإرهابي والتفجيري.

يضم المشروع مجموعة من الخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات ذات العلاقة بالتطرف والإرهاب وممارسة العنف وتحليل السلوك الفردي العنيف، ويشارك في عضوية اللجنة خبراء في مجالات علم النفس والعلوم الشرعية ومتخصصون في جماعات الإسلام السياسي والحركات الإسلامية، والمراجعات الفكرية لجماعات الجهاد والجماعة الإسلامية، إضافة إلى مجالات الأمن المجتمعي وتحليل الصراعات.

وقالت دار الإفتاء المصرية في بيان صدر الخميس الماضي، إنه سيتم عقد مجموعة من جلسات العصف الذهني وورش العمل التي تشارك فيها مجموعة من أساتذة علم النفس ورموز التيارات الإسلامية السابقة للخروج بنماذج واضحة ودليل كاشف لأنماط المتطرفين ومراحل تحولهم، في الداخل أو الخارج، وآلية مواجهة أفكارهم بدحضها وتفنيدها للحيلولة دون استقطاب المزيد من الشباب إليهم. وتسعى دار الإفتاء لأن تكون شريكة فاعلة في توجهات الحكومة المصرية لمكافحة الإرهاب، عبر النجاح في الوصول إلى نموذج عملي واضح لكيفية صناعة المتطرف وأنماطه ومراحل تحولاته، وصولا إلى وضع التصورات والسياسات الإجرائية التي تكفل مواجهته ووقف نزيف التحول نحو التطرف وممارسة العنف.

لا قيمة لأي تشريح عقلي للمتطرف دون وضع استراتيجية لمواجهة هذا الفكر، وتكون البداية بتنقية المناهج الدينية من التطرف

تعكس الاستعانة بخبراء من مختلف المجالات والتخصصات، خاصة القيادات السابقة في الجماعة الإسلامية وتنظيم الإخوان المسلمين، من بينهم ناجح إبراهيم وكمال حبيب القياديان السابقان بالجماعة واللذان أعلنا توبتهما، أن مواجهة التطرف والإرهاب قضية معقدة، والتصدي لها من خلال الأبعاد الدينية والاقتصادية والعسكرية لن يكلل بالنجاح دون أن تكون هناك مواجهة للفكر ذاته.

ويرى البعض من المراقبين أن وضع خطة فكرية لمواجهة التطرف والإرهاب، يبرهن على وجود تحولات جذرية في طريقة تعامل الحكومة مع هذا الملف، وأن المواجهات المسلحة دون وجود ظهير فكري لها يحارب التطرف والإرهاب على الجانب الآخر، يعني أن المواجهة سوف تكون ممتدة لأمد طويل، ما حدا بصانع القرار المصري أن يعتمد على الحرب الفكرية كذراع ثانية في هذه المواجهة.

وقالت دار الإفتاء المصرية إن الحرب على الإرهاب والتطرف ذات أبعاد متنوعة، ولا يجب أن تقتصر المواجهة على البعد الديني أو الجانب الاقتصادي والجوانب النفسية والسلوكية وحدها، لأن التطرف نتاج لتفاعل العديد من تلك العوامل التي أنتجت الفرد الإرهابي، بالتالي فإن الإلمام بكل الجوانب والأبعاد، ومشاركة كل التخصصات في مشروع التشريح والمواجهة، يعني أن مواجهة التطرف والإرهاب سوف تكون شاملة ومتكاملة.

ومن المقرر أن يمتد المشروع لعدة أشهر، وتقوم دار الإفتاء بنشر تقارير وأوراق السياسات المقترحة التي توصل إليها الخبراء والمتخصصون المشاركون لتكون متاحة لصانعي القرار والمفكرين وقادة الرأي والمراكز البحثية، ومختلف الأطراف والهيئات ذات الصلة بمواجهة العنف والتطرف داخل مصر وخارجها.

وقالت مصادر على صلة بالمشروع لـ”العرب” إن الأفكار التي تخرج وتفسر عقلية المتطرف وأسباب انخراطه وسط التيارات الإرهابية سوف تعرض على المجلس الأعلى القومي لمكافحة الإرهاب والتطرف الذي تشكل بقرار جمهوري الأربعاء الماضي، بحيث تكون أمامه استراتيجية فكرية متكاملة عن آلية مواجهة المتطرفين والتكفيريين بالمجتمع.

فكرة مشروع تشريح العقل المتطرف، تقوم على فهم وتشريح الفرد المتطرف والعوامل الدافعة نحو التطرف

ورأى ناجح إبراهيم، القيادي السابق بالجماعة الإسلامية، وأحد المشاركين في المشروع، أن التوصل العلمي والمنهجي لطبيعة الشخص التكفيري وأسباب وصوله إلى هذه المرحلة، بدافع فهم خاطئ للدين أو أسباب اجتماعية واقتصادية وغيرها، بداية لمواجهة التطرف والإرهاب بأساليب حديثة قائمة على فكر المنهج العلمي. وأضاف لـ”العرب” أن مشاركة سياسيين وخبراء ومتخصصين في علوم الاجتماع والنفس والإسلام السياسي والفقهاء والمفكرين في مشروع تشريح العقل المتطرف، نواة لتأسيس مرجعية فكرية متطورة لمواجهة من يحملون الأفكار الخاطئة والمتطرفة والتكفيرية بنفس طريقتهم، فهم يستخدمون الفكر لاستقطاب عناصرهم، بالتالي فلا بد أن تكون المواجهة بالمثل.

وأشار إلى أن جلسات المشروع عبارة عن الإجابة على تساؤلات منطقية، من بينها: كيف يتكون العقل المتطرف؟ وأبرز العوامل التي تساهم في إنشائه وتغذيته والمراحل التي يمر بها التطرف، ومتى يتحول إلى عنف منفرد يقوم به الشخص بدافع ذاتي أو يصل إلى عنف تنظيمي مشترك يتعامل فيه المتطرف بلغة الجماعة وينفذ مطالب قادته، والأهم كيف يتحول المتطرف إلى إرهابي وتفجيري.

وذهب متخصصون في الجماعات الإرهابية، إلى أن فكرة المشروع قائمة بالأساس على الحماية الاستباقية للشباب من الإيمان بعقلية الفكر المتطرف، لكن ذلك يتطلب وجود ليونة من صانع القرار المصري لتذليل كل الأسباب والمشكلات التي تدفع هذه الفئة إلى التماشي والتعاطف مع أصحاب الفكر المتشدد، بما يعني أن الوصول لأسباب التطرف ليست مشكلة، بل تكمن الأزمة في القضاء على الأسباب خاصة إذا كانت تتعلق بالظروف الاجتماعية والاقتصادية.

قال أحمد عامر، الباحث في شؤون التيارات الدينية، إنه من الضروري للغاية أن تتحاور الحكومة ممثلة في المتخصصين من مختلف التيارات الفكرية والسياسية والدينية مع العناصر التكفيرية والمتطرفة المتواجدين داخل السجون، حتى يمكن أن تكون هناك عقلانية وفهم حقيقي وواقعي لعقلية المتطرف، وليس مجرد تفسيرات لأشخاص كانوا ضمن تيارات دينية في الماضي، لأن الواقع والفكر تغير كثيرا، بين هؤلاء وبين المتطرفين الجدد.

وأوضح لـ”العرب” أن تحليل عقلية التكفيري والإرهابي ليست بالمعضلة، ولكن النجاح يكمن في طريقة وضع منهج علمي قائم على الفكر ومواكبة التطور الفكري الحاصل داخل التنظيمات الإرهابية هو معيار النجاح، ولا قيمة لأي تشريح عقلي للمتطرف دون وضع استراتيجية علمية وفكرية لمواجهة هذا الفكر، بحيث تكون البداية تنقيتها من المتطرفين والمتشددين، فهذه مواجهة فكرية شديدة التأثير.

13