مشروع تقسيم اليمن يحاكي المشروع الطائفي في لبنان بإدارة إيرانية

الأربعاء 2014/10/29
تمثل الجماعات الحوثية المسلحة المعول الإيراني للوصول إلى عمق الجغرافيا العربية وخلق الفوضى والطائفية فيها

القاهرة - بعد أن كان دور جماعة الإخوان (ولا يزال دائما) في المنطقة هو عملية ترجمة المشروع الإخواني المرتبط بمصالح الدول الغربية وتركيا إلى واقع ملموس عبر انتشار الجماعة وتغلغلها داخل النسيج المجتمعي العربي والذي تم التعبير عنه في الانتخابات التي أعقبت ما يسمى بالربيع العربي، فإن دور الجماعات الإسلامية المسلحة الشيعية الآن هو خلق الثنائية القطبية المتطرفة التي تتقابل مع تنظيمات مثل القاعدة وداعش وغيرهما، خاصة في اليمن ولبنان، الأمر الذي يبرر وجود كليهما على الساحة ويدمر معالم المدنية العربية الحديثة.

تردد جمهورية إيران الإسلامية دائما بأنها تدعم استقرار الدول وحق شعوبها في تقرير مصيرها، وتتهرب من اتهامات دعم الجماعات المسلحة في المنطقة، لكنها لم تستطع إخفاء وقوفها خلف جماعة الحوثي الشيعية بعد سيطرتها على مؤسسات الدولة في اليمن، مع تكهنات إيرانية بإمكانية اضطلاع الحوثيين بنفس الدور المنوط بعهدة حزب الله في لبنان، في سياق توظيف الإسلام السياسي لخدمة الأجندات الخاصة بإيران.

وفي تصريحات سابقة اعترف علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى الإيراني، دعم بلاده لجماعة الحوثي لفرض نفوذها على مناطق شاسعة من اليمن، في ظل التمويل والتسليح والتدريب والتخطيط العسكري والسياسي، وقال في تصريحاته الصحفية إن “بلاده تأمل أن يؤدي أنصار الله في اليمن دورا مماثلا لدور حزب الله في لبنان”.

وأوضح مراقبون سياسيون عرب، أن “هيجان” الجهاديين في السنوات الأخيرة مدعاة للقلق ويساهم في تحول استراتيجي سلبي في الشرق الأوسط، وما يحدث في اليمن من استيلاء جماعة الأقلية الشيعية (الحوثيين) على العاصمة اليمنية صنعاء وعدد من المدن الكبرى في البلاد له آثار وخيمة على جيران اليمن والحرب الأميركية على الإرهاب، خاصة بعد أن دعا زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي إلى مظاهرات حاشدة ضد التدخُّل الأجنبي في سياسة بلاده.

خطورة الحوثيين في اليمن تكمن في سيطرتهم على باب المندب الذي يُعتبر الممر المائي الرئيسي للنفط في العالم

ما يحدث في اليمن يمثل نصرا كبيرا لإيران عبر الحركات الإسلامية الموالية لها مذهبيا وطائفيا، وهو ما أكده العديد من المراقبين، من بينهم معتز سلامة الخبير في الشأن اليمني بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، حيث تحاول طهران تصعيد المكائد الإقليمية وتقسيم اليمن إلى دويلات “ورمي البلاد إلى الفوضى عنادا في الدول العربية ومنطقة الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية التي تلقي هي الأخرى بثقلها السياسي في اليمن”.

ويشير معتز سلامة إلى أن طهران تعمل منذ سنوات عديدة مع جماعة الحوثي وتقدّم المال والتدريب لميليشيا الحوثيين، الذين يشكّلون 30 في المئة من 25 مليون مواطن في اليمن.

وقد ظهر النفوذ الإيراني والتنسيق مع الحوثيين بعد سقوط الرئيس السابق عبدالله صالح، ويرى سلامة أن “اتهام الرئيس عبدربه منصور هادي لإيران بالتدخُّل في شؤون بلاده أسعد المسؤولين الإيرانيين بسبب رغبتهم في تشجيع مثل هذه الشكوك، كما تتفاخر طهران بأن صنعاء أصبحت العاصمة العربية الرابعة التي تسقط في مجال النفوذ والتوسُّع الإيرانيين بعد بغداد ودمشق وبيروت”.

ويؤكد الخبير في الشأن اليمني أن الجمهورية الإسلامية تمني نفسها بإقرار الشعب اليمني بالواقع السياسي الجديد للبلاد، حتى تصبح الجماعة الحوثية أو (أنصار الله) معادلا رئيسيا في السياسة اليمنية للقيام بالدور المنوط بتنفيذه في المنطقة مثل حزب الله في لبنان.

وهذا ما يؤكد نظرية أن القطب الموازي لتنظيم القاعدة سوف تكون الجماعات الشيعية المسلحة الجامحة، المستغلة لتوحش التنظيمات السنية المتطرفة لتصنع لنفسها مبررا للوجود.

تحاول إيران تمكين الحوثيين من نفس دور حزب الله في لبنان، في سياق توظيف الإسلام السياسي لخدمة أجنداتها

وكما هو معهود في جماعات الإسلام السياسي وكيفية انتشارها السريع وغير المتوقع، فإن هذه التنظيمات عموما تنتظر الأزمة العارمة لتتصدر المشهد وتبدأ في بث الخطاب الديني الذي يرتكز أساسا إلى الطائفية والمذهبية الضيقة، وهذا ما أشار إليه عماد شاهين أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية قائلا إن ميليشيات الحوثي استغلت موجة السخط الشعبي في سبتمبر الماضي إزاء ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية وتفشي الفساد، وسرعان ما انتقلت إلى احتلال الساحات العامة ودعت إلى تغيير القيادة وخفض الأسعار، وفجأة انتقل الحوثيون من الأماكن العامة إلى احتلال الوزارات والقواعد العسكرية والمباني الحكومية والمطار.

وتابع: “بعد استيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء لم يعد هناك من خيار سوى قبول مطالبهم بعد تحوّل ميزان القوى لصالحهم، وسرعان ما وقعت على اتفاق الشراكة الوطنية والسلام، ولكن يبدو أن إيران هي التي حصلت على كافة النفوذ في اليمن”.

ودلل عماد شاهين على كلامه بأنه عندما عيّن الرئيس منصور هادي رئيسا جديدا للوزراء في الأول من أكتوبر الجاري رفض الحوثيون اختياره بهدف إدامة الأزمة السياسية في اليمن، واتهم زعماء الحوثيين الرئيس بصورة غير محتملة بالركوع للضغوط الأميركية أثناء عملية الاختيار.

ويوضح شاهين أن الحوثيين لديهم رغبة واستعداد لممارسة نفس قواعد اللعبة التي يمارسها حزب الله في لبنان، وتحديدا عندما شرع الحزب المدعوم من إيران في عام 2008 إلى استخدام القوة ضد خصومه السياسيين وسيطر على العاصمة بيروت، ثم جلس مع القوى السياسية لتوقيع اتفاق جديد لتقاسم السلطة وتشكيل حكومة جديدة، وبعد ست سنوات عرقل حزب الله انتخاب رئيس جديد للبلاد مما تسبب في فراغ سياسي.

وقد بدأت خيوط اللعبة الإقليمية في التكشف بمجرد التثبت في الخريطة التي تمتد من سواحل اليمن إلى مياه الخليج العربي. فإذا كانت هذه الجماعات الإسلامية الشيعية تستمد “مشروعيتها” من تناقضها مع الجماعات الإرهابية السنية، فإن دورها يتجاوز مجرد ردة الفعل الطائفية على الأحداث في سوريا والعراق وإنما هو دور أخطر وأبعد من ذلك بكثير.

إذ يحذر جمال سلامة أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، من خطورة تنامي قوة الحوثيين في اليمن وسيطرتهم على باب المندب الذي يُعتبر المضيق الرئيسي الذي يمر عبر خليج عدن ويربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويُعد بمثابة الممر المائي الرئيسي للنفط في العالم، وشريان الحياة الرئيسي للملاحة والشحن عبر قناة السويس، وفي حال سيطر الحوثيون على باب المندب سيتحوّل إلى الخليج الفارسي وهو احتمال واقعي يؤدي إلى زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو ما دفع القاهرة إلى التحذير بأنها لن تسمح لأي طرف إقليمي أو جماعة إرهابية بتعطيل التجارة بين الشرق والغرب، ويوضح أن إنجاز المشروع الفارسي في اليمن يهدد بإشعال صراع طائفي محتدم، كما أن رفض الحوثيين تسليم أسلحتهم يُعيد إمكانية قيام وضع مماثل لحزب الله في لبنان، ويجعل أي اتفاق سياسي مع الدولة لا معنى له.

13