مشروع جوهره الإنسان لا يمكن أن يموت أو يهزم

الجمعة 2015/08/07

أعتبر نفسي أنتمي لجيل محظوظ، لعدة أسباب، فأنا أولا، وكما يقول برتراند راسل، عشت لأرى العربات تجرها الخيول، وحالفني الحظ أكثر من راسل، فأنا لم أشاهد فقط هبوط الإنسان على سطح القمر، بل امتد بي العمر لأشاهد التحول التقني الأكبر الذي بدّل الكثير من المفاهيم، وهو التحول الرقمي.

مهنيا، الحظ كان إلى جانبي مرتين، المرة الأولى كنت فيها شاهدا على الانتقال من تقنيات الطباعة التقليدية، التي تستهلك طاقة الإنسان ووقته، والدخول فجأة في عصر التقنيات الرقمية، التي وفّرت جهد الإنسان، وسهلت تبادل المعلومات، خاصة للعاملين مثلي في حقل الإعلام. وأكتفي بالإشارة هنا إلى مهمة استحضار المعلومة، التي كانت تتطلب، إلى جانب الجهد الفكري، جهدا عضليا كبيرا للتنقيب بين الملفات والمجلدات، واستنشاق الغبار المتراكم عليها.

الجيل الذي أنتمي إليه يعرف حتما قصدي، أما هؤلاء الذين ينتمون إلى الجيل الذي نشأ وأداته الرئيسية للوصول إلى المعلومة هي محركات البحث على الشبكة العنكبوتية، فعليهم أن يستخدموا مخيلتهم.

وكنت محظوظا أكثر لأني عملت مع عمالقة سيسجلهم التاريخ، عندما تذكر الصحافة ويذكر الإعلام. هناك أسماء كثيرة لا أريد أن أنقصها حقها، لكن لا بد من أن أخص أسماء بعينها، وأولها مؤسس دار “العرب” التي نحتفل اليوم بإصدار عددها رقم عشرة آلاف، المرحوم الحاج أحمد الصالحين الهوني، رجل الإعلام الذي دخل الساحة الإعلامية في لندن مسلّحا بحب المهنة، وحب القومية العربية، فخرجت من تحت عباءته صحيفة “العرب”، وخرج منها أيضا عشرات الإعلاميين والصحفيين.

الرجل الثاني هو حوت صحافة، قابلته ومرض باركنسون يتسلل إلى يديه المرتجفتين، رسام، وخطاط، ومصمم، وكاتب، وصحفي، إنه “السواح” محمد محفوظ، الذي أمتعنا بكتاباته على مدى ربع قرن وأكثر، مفاخرا بتاريخ طويل أمضاه صعلوكا متنقلا، كما يقول هو، بين عواصم ومدن عديدة.

عرفته قارئا نهما، يشتري الكتب بالصناديق، ويلتهم يوميا عناوين عشرات الصحف والمجلات، ليكتب بعد ذلك بأسلوبه الساحر الساخر، مقالات في السياسة، والعلوم، والاقتصاد، والثقافة، والفن، والأدب، والمرأة، غير عابئ بمصيرها، نشرت أم لم تنشر. من الحاج الهوني تعلمت أن الصحافة موقف وقضية، ومن محفوظ، تعلمت أنها حرفة لا تختلف عن حرفة “الإسكافي”.

في هذه البيئة كان لي شرف أن أكون شاهدا على عصر التحول الرقمي، الذي دخلته مع غازٍ آخر للندن. هيثم الزبيدي، شاب عراقي طموح أتى إلى لندن قاصدا الدراسة فتقطعت به السبل إثر دخول العراق للكويت. ورغم تخصصه العلمي البعيد عن الصحافة والكتابة، بدأ عمله في “العرب” مدققا لغويا، وكان لجهوده الفضل في الانتقال بالصحيفة إلى العصر الرقمي، ليكون لها السبق، ويكون لها شرف الريادة.

بإصرار منه، وتشجيع من محمد الهوني، المقاتل الهادئ، الذي تسلم فيما بعد قيادة السفينة، دخلت الصحيفة عالم النشر الإلكتروني قبل أن يتاح نشر النص العربي على الإنترنت.

لم تكن رحلة “العرب” إبحارا سهلا دائما، هناك عواصف، وهناك أنواء جابهتها، أوّلها رحيل مؤسسها المفاجئ، وآخرها قوى استغلت الفراغ والفوضى التي نجمت عن ثورات شعبية أطاحت بحكومات دكتاتورية، ليسارع حاقدون متسلقون أساءهم نجاح “العرب” وموقفها من الفئات التي تريد إرجاع الشعوب العربية إلى الوراء، إلى إقفال الأبواب بوجه الصحيفة مستغلين وصولهم السهل إلى الكراسي.

في مواجهة الصعوبات ومواجهة مؤامرات الحاقدين كان من الممكن للعرب أن تنتهي، بل إن الكثير سارعوا لنعيها. كنت أخشى وفاة “العرب”، وأنا أرى مصادر الدخل تسد أمامها، بقرارات وتوجيهات صارمة يصدرها مسؤولون أرادوا التشفي والانتقام.

لم تتحقق مآرب الحاقدين، ولم تسقط “العرب”، وهي اليوم بيننا تحتفل ليس فقط بعددها رقم 10 آلاف، بل تحتفل بنجاحها الذي أجبر صحفا كثيرة على إعادة النظر في محتواها وشكلها وفي طرق إنتاجها.

خروج العرب من غرفة الإنعاش، والعناية بها لتصبح على ما هي عليه اليوم، نموذج يقاس عليه، تم بفضل جهود محمد الهوني، وجهود هيثم الزبيدي. الأول، ترعرع وشبّ في الوسط الإعلامي. والثاني، غزا المشهد الإعلامي وهو شاب مسلح، إلى جانب العلم، بالرؤية والنظرة الثاقبة.

بفضلهما، نحتفل بـ“العرب” اليوم وإلى جانبها مولودان جديدان، أولهما صحيفة باللغة الإنكليزية، المشروع الذي حلم به هيثم منذ ربع قرن، وحدثني عن أهميته ونحن نسير على رصيف شارع (إيكر لين) الذي كان مكتب الصحيفة حينها يحتل زاويته. كان وقتها حزينا لأن وجهة النظر العربية، في القضايا التي تتعلق بنا، لا تصل الغرب، وهي إن وصلتهم، تصلهم مشوّهة. كان يأخذ على الأنظمة العربية تقصيرها، رغم المليارات التي تنفق بسخاء على التسلح. فالإعلام هو أشد الأسلحة التي يمكن أن تمتلكها فتكا، ظالما كنت أو مظلوما.

المولود الثاني، مجلة ثقافية شهرية، تطمح مع “العرب” بنسختيها العربية والإنكليزية، إلى التصدي للمشروع الظلامي الذي تقف وراءه قوى تتبنى الإسلام السياسي بمختلف تنوعاته. نجحت “العرب”، لأنها تبنت مشروعا حضاريا لا يموت، تبنّت الوقوف إلى جانب الإنسان، بغض النظر عن انتماءاته السياسية، والأيديولوجية، والدينية، والعرقية.

“العرب” لم تعد مجرد مطبوعة من 12 صفحة، توزع خمس مرات أسبوعيا. “العرب” اليوم 24 صفحة تطبع سبع مرات في الأسبوع، وتوزع في مختلف أنحاء العالم، تؤازرها مواقع إلكترونية إخبارية باللغة العربية والإنكليزية، تتابع الأخبار على مدار الساعة، وتدعمها النسخة الإنكليزية، التي تعد بحرفية ومهنية عالية، وتستكتب أقلاما مميزة.

إذا سألت اليوم الهوني والزبيدي عن سر نجاح “العرب” وسر صمودها، سيغفل كل منهما اسمه، ويؤكد لك بحمية وإخلاص، أن السر يكمن في فريق العاملين.

“العرب” اليوم مؤسسة إعلامية متكاملة، لأن عقولا شابة لديها رؤية واضحة تعمل على تحقيقها، تقف وراءها. مشروع كـ“العرب” لا يمكن أن يموت أو أن يهزم، ببساطة لأنه مشروع جوهره الإنسان.

مدير التحرير مكتب تونس

7