مشروع روسي يمهد لتقسيم سوريا إلى كنتونات عرقية وطائفية

نجحت روسيا في استثمار تردد المجتمع الدولي وانقسام المعارضة السورية في تنفيذ برامجها في سوريا وهي اليوم تعمل على عقد مؤتمر يضم مختلف العرقيات، وسط مخاوف من أن يكون الهدف منه تقسيم سوريا إلى كنتونات، حيث أن ذلك هو السبيل الوحيد لتكريس نفوذها حسب ما تقوله قوى المعارضة.
السبت 2017/10/21
بوتين تستهويه لعبة التقسيم

دمشق - تعمل روسيا على إطلاق مسار جديد للتسوية في سوريا يقوم على عقد مؤتمر موسع يضم جميع العرقيات والطوائف، في خطوة اعتبرها البعض محاولة لنسف مسار جنيف الذي انطلق منذ العام 2012 وفشل في اجتراح حل نهائي للأزمة.

وقال الكرملين الجمعة إن مقترحا بعقد مؤتمر يضم كل المجموعات العرقية السورية هو مبادرة مشتركة تروج لها روسيا وأطراف أخرى وتجري مناقشتها بجدية.

واعتبر المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن من السابق لأوانه مناقشة توقيت ومكان هذا المؤتمر الذي ينظر له باعتباره آلية لمساعدة التنمية في سوريا ما بعد الحرب.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أشار قبل يومين إلى مقترح لعقد مؤتمر يسمى “مؤتمر شعوب سوريا” ويجمع ممثلين عن كافة الجماعات العرقية في البلاد.

ويخشى كثيرون أن يكون هذا المقترح منطلقا لتقسيم سوريا إلى كانتونات عرقية وطائفية.

وذكرت مصادر مطلعة أن اجتماعات بدأت منذ فترة مع جماعات سورية ومجالس محلية شكلت في مناطق خفض التصعيد تجري في قاعدة حميميم على الساحل السوري.

وأكدت المصادر أنه على ضوء النتائج الميدانية التي تحققت لصالح النظام السوري، باتت روسيا تبحث عن بدائل لجنيف الذي تعتبره لا يلبي طموحاتها وحليفها الرئيس بشار الأسد.

وتأتي التحركات الروسية بالتوازي مع استعدادات الأمم المتحدة لعقد جولة ثامنة من مفاوضات جنيف، بين المعارضة السورية والنظام، وسط آمال شبه معدومة في أن تؤدي هذه الجولة إلى خرق في الأزمة.

وتركز مفاوضات جنيف على ضرورة تشكيل هيئة حكم انتقالية، بدون مشاركة الرئيس بشار الأسد الأمر الذي أدى بها إلى تأجيل تلو تأجيل، وسط غياب أي ضغط فعلي من المجتمع الدولي، وهو ما سمح لروسيا باستثمار هذا الوضع، والسعي لضرب هذا المؤتمر بقلب موازين القوى العسكرية لصالح النظام وبمؤتمر أستانة الذي انبثقت عنه خطة عمل ميدانية جديدة تتمثل في مناطق خفض تصعيد أعلن حتى الآن عن خمس منها.

ويرى مراقبون أن طريقة تعاطي الولايات المتحدة الفاتر مع إيجاد مخرج للأزمة السورية واقتصارها على مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية ومقارعة إيران تشجع الكرملين على طرح مشروعه الجديد.

ويضيف هؤلاء أن تشرذم القوى البارزة للمعارضة السورية وغياب رؤية موحدة تجمعها، يشكلان إغراءً ثانيًا لموسكو التي تعمل على خلق جماعات سورية معارضة أخرى ستشركها في هذا المؤتمر المنتظر.

وأبدت قيادات الهيئة العليا للمفاوضات في سوريا تململها من المشروع الروسي الجديد، الذي تراه يندرج في سياق سلوك روسي عام يرمي إلى تقسيم سوريا وتجزئتها.

ويقول كبير مفاوضي المعارضة السورية في جنيف محمد صبرا لـ”العرب” “إن سلوك روسيا منذ عام 2011 أثبت أنها لا تريد حلا في سوريا وهي لم تكتف بالسلوك السياسي والدبلوماسي المعطل للحل بل ذهبت أبعد من ذلك إلى حد التدخل العسكري المباشر والقتال نيابة عن النظام الذي تهاوت قواته وكاد يسقط أكثر من مرة لولا تدخلها وإيران”.

ويضيف صبرا “الخطاب الروسي كان واضحا منذ البداية وهو العمل بالتعاون مع إيران والنظام على تفتيت بنية المجتمع السوري وتحطيم نسيجه الاجتماعي وتقسيمه إلى مجرد طوائف وأعراق”.

محمد صبرا: المخطط الروسي يؤيده المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا

ويوضح المعارض السوري البارز أن “وسيلة بقاء موسكو الوحيدة في سوريا هي تقسيم البلد إلى كانتونات تستطيع من خلالها الاستئثار بكانتون الساحل وتصوير الأمر على أنها حامية أبناء هذه المنطقة”، لافتا إلى أن المخطط الروسي المتمثل في عقد ما يمكن تسميته “لويا جيرغا” سوريا يؤيده المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة وهو بهذا يتصرف كمبعوث روسي وليس كمبعوث أممي.

وكان ستيفان دي ميستورا قد قام مؤخرا بزيارة إلى موسكو حيث التقى بوزير الخارجية سيرجي لافروف الذي سلمه مشروعا لدستور سوريا المستقبلي يتوقع أن يكون نص على إقامة فيدرالية سورية.

وسبق أن صرح مسؤولون روس بأن الحل في سوريا يكمن في إرساء فيدرالية لضمان حقوق مختلف الطوائف والعرقيات، وهذا تشترك فيه موسكو مع الولايات المتحدة الأميركية التي تدعم بشكل غير مباشر مشروع حكم ذاتي كردي في الشمال في إطار فيدرالية سورية.

ويعتقد معارضون سوريون ومن بينهم محمد صبرا أنه في سبيل تحقيق هذه المشاريع التقسيمية فإن روسيا مستعدة لضرب المعارضة الرئيسية الرافضة لمثل هذه الطروحات والاستعاضة عنها بمعارضة كارتونية.

ويوضح صبرا في هذا الصدد “تعمل روسيا الآن على تصنيع معارضات من خلال مسار أستانة، وتعتمد في ذلك على بعض الأشخاص الذين يدّعون أنهم يمثلون فصائل عسكرية في حين أنه لا وجود لهذه الفصائل على الأرض وبعضها موجود فقط على شبكة الإنترنت في العالم الافتراضي”.

وبالتأكيد ستكون هذه المعارضات العنصر المشارك الفاعل في المؤتمر الذي تسعى روسيا لإقامته، مع إشراك للأكراد الذين لطالما دعوا إلى إنشاء فيدرالية سورية، وهم بالفعل يعملون عليها وليس أدل على ذلك من إعلانهم الجمعة أن مدينة الرقة التي حرروها من داعش بدعم أميركي ستكون جزءا من سوريا “لامركزية اتحادية”.

وقالت قوات سوريا الديمقراطية التي يهيمن عليها الأكراد في بيان “نؤكد بأن مستقبل محافظة الرقة سيحدده أهلها ضمن إطار سوريا ديمقراطية لامركزية اتحادية يقوم فيها أهالي المحافظة بإدارة شؤونهم بأنفسهم”. ويغلب العرب على سكان الرقة.

وتمضي السلطات في مناطق خاضعة للأكراد في أجزاء أخرى من شمال سوريا بالفعل في خطط لإقامة نظام اتحادي بعد أن بدأت عملية انتخابية من ثلاث مراحل الشهر الماضي في المناطق التي تسكنها غالبية كردية.

وتقول قوات سوريا الديمقراطية إنها تنوي تسليم السيطرة على الرقة إلى مجلس مدني وقوة شرطة محلية تشكلا تحت رعاية التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية الذي تقوده واشنطن.

ويرى مراقبون أن المشروع الروسي في جزء منه يتماهى مع أجندة الولايات المتحدة وإن كانت الأخيرة لم تعلن عن ذلك صراحة.

ويضيف هؤلاء أن روسيا ربما اتفقت في الكواليس مع الولايات المتحدة لتنفيذ هذا المشروع الذي يخدم أيضا الأكراد حلفاء واشنطن في سوريا، وهذا ما يجعل المعارضة السورية أمام اختبار صعب جدا.

ويقول كبير مفاوضي المعارضة في جنيف “للأسف ما يحدث يثبت مرة جديدة حاجة السوريين لقيادة ثورية حقيقية تستطيع أن تقول لهؤلاء كفى عبثا بمصير السوريين وأيضا تستطيع منع الأيادي الأجنبية من العبث في بلادنا، فسوريا للسوريين ويجب أن تكون كذلك وكل من يضع نفسه في خدمة أجندات الدول يضع نفسه في مواجهة طموح السوريين وأهدافهم ببناء الدولة الوطنية الديمقراطية”.

2