مشروع "زي تاون" فيسبوك أكبر من غرور مارك زوكربيرغ

السبت 2015/03/14
مارك زوكربيرغ يريد ترك بصمته الخاصة والفعلية على الأرض

واشنطن – يتبع مالك فيسبوك قائمة طويلة من أشهر رجال الأعمال، من والت ديزني وصولا إلى جورج كادبوري، بإنشائه مدينة خاصة بشركته تمتد على 100 ألف كم مربع ومن شأنها أن تشمل 10000 شخص، خصيصا لموظفيه. ويتساءل بعضهم عما إذا كان تأسيس مدن خاصة بالشركات فكرة جيدة على إطلاق.

يبدو اليوم أن مارك زوكربيرغ، ليس راضيا عن تجنيده ما يعادل واحدا من مجموع كل سبعة من العنصر البشري لخدمات شبكاته الاجتماعية، ويسعى بالتالي إلى ترك بصمته الخاصة والفعلية على الأرض.

إنها لحظة تبلغها العديد من المؤسسات التجارية، فمن خلال تأسيس مدينة خاصة لـ10000 من موظفيه، يتبع عملاق فيسبوك تقليدا قديما لقائمة طويلة من أجيال رجال الأعمال، من شركة الهند الشرقية الهولندية وصولا إلى والت ديزني. سواء أكان الهدف من ذلك تقليد أسلوب سابقيه أو إضفاء قيمة تشجيعية أو مجرد طموح، فإن كل هذه الأسباب قد آلت به إلى التفكير في أنه من المفيد تجميع "كل أسماكه في حوض واحد"، لضمان توجيه كل طاقات عماله بشكل صحيح نحو الهدف الحقيقي.

وتأتي نسخة زوكربيرغ في شكل موقع يمتد على 100 ألف كم مربع بجوار مقر فيسبوك في مينلو بارك، وهو مشروع تصوره الشريك القديم لزوكربيرغ فرانك جيهري، وأطلق عليه الصديقان بكل تواضع اسم “زي تاون”.

ولنا هنا أن نطرح سؤالين، أولا، هل أن مبدأ تصميم “مدينة خاصة” هو فكرة يمكن تطبيقها فعليا على الإطلاق؟ وماذا عن المدن مثل زي تلون، التي تم إنشاؤها بوصفها تعبيرا عن الثقافة الـخاصة جدا لشركة معينة؟

ما تتوافق آراء الخبراء على استخلاصه، بشأن مسألة المدن الخاصة، هو أن هذه الأماكن يمكن أن تؤول في النهاية إلى تكوين مدينة حقيقية ونظام داخلي فعلي، ولكن بعد بضعة عقود، يستغرق الأمر وقتا طويلا لتأسيس عضوية الثقافة الحضرية الحقيقية.

منذ البداية، تمّ التوافق على أن أماكن على غرار برازيليا وبنغالور وشانديغار بحاجة إلى نصف قرن لتأسيس أي شيء فيها يشابه الحياة الخاصة. وذلك فقط إثر تحقيق المستوطنات غير الرسمية التابعة لها لنمو فعلي وملموس.

أكثر حقائق حياة سكان زي تاون اليومية حميمية سيمنحونها إلى رب عملهم والمالك الجديد لسكنهم

نفس الشيء يمكن أن يقال عن المدن البريطانية التي تم بناؤها من جديد بعد انتهاء حقبة الحرب، فضلا عن عدة مشاريع تجديد أخرى داخل المدينة.

وكما آلت مشاريع مغرورة مثل برازيليا بمرور الوقت إلى تحولات جذرية لإضفاء لمسة إنسانية عليها وتكييفها وفق متطلبات الطبيعة البشرية، فقد تمت أقلمة مبدأ المدينة العقيمة لبالادريان وإرضاخها تدريجيا لمتطلبات الحياة اليومية العادية.

واليوم يبدو أن ميلتون كينيز قد وجد ما كان يبحث عنه، وحتى المدن الفقيرة على غرار كمبرنولد، بكل الروعة التي تشملها هيكلة مركز مدينته، قد طوّر هذه الهيكلة وأقلمها على مدى السنوات إلى درجة أنه تم تكريمه خلال جوائز التصميم الإسكتلندية في 2012. يبدو إذن أنه من الممكن جدا، من حيث المبدأ، أن تنجح مدينة صممها رجل واحد في توفير حياة جيدة لسكانها، على الأقل استنادا على بعض المعايير.

لكن زي تاون صُممت لتكون مدينة خاصة بالشركة، وهنا تختلف الظروف قليلا لتصبح أكثر تعقيدا.

لم يتردد التحقيق الصحفي بشأن مشروع زوكربيرغ في ذكر اسم اثنين من أبرز نماذج أواخر العصر الفيكتوري، وهما بورت سانلايت، قرية نموذجية أسسها ويليام ليفير في 1888 خصيصا لموظفي شركات الأخوين ليفير المتخصصة في المنظفات التجارية، وبورنفيل، المدينة المعيشية التجريبية لجورج كادبوري في 1879، وإن لم يوفر لنا هذان الميثالان النموذج الحقيقي لنجاحات سابقة لمثل هذه التجربة، فقد أصبحت بورت سانلايت اليوم بقايا وأنقاضا، ولئن بقيت شركات الأخوين ليفر قائمة إلى هذا اليوم، إلا أن قريتهما النموذجية قد فشلت تماما، ولم تعد تمثّل تعبيرا فعليا عن ثقافة هذه الشركات أو أهدافها، منذ وقت طويل.

"زي تاون" صممت بمنأى تام عن بقية العالم

ويمكننا النظر كذلك في مصير ماغنيتوغورسك، المدينة الصناعية التي ضمت أكثر من 400.000 شخص والتي تقع في جبال الأورال، على بعد ألف كلم شرق موسكو.

تم تأسيس المدينة في السبعينات، وتُعد كذلك فشلا ذريعا بحكم الخلافات العديدة والمتكررة التي كانت بين المهندس المعماري الألماني إرنست ماي، مصمم المشروع، والسلطات المحلية والحكومية التي اقتبست فكرته وطورتها دون حتى إعلامه، ونجحت بالرغم من ذلك في فرض سلطتها بكل سهولة.

وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى مشروع “زي تاون”.

بورنفيل، بورت سنلايت الصليبية، أوماغنيتوغورسك الستالينية، رغم أن النكهة الخاصة للنزعة التسلطية قد اختلفت من مكان إلى آخر، إلا أن كل هذه المشاريع قد ترجمت، بشكل فاضح، رغبة ملحة في السيطرة الكاملة على ظروف حياة الموظفين.

وإذا كان يبدو الآن من الصعب تصور موافقة أي عامل معاصر على التقيد بمثل هذه القيود، تذكروا أن ذلك بالتحديد ما يفعله السكان طواعية عند التوقيع على العهدين الدوليين الخاصين والشروط الجديدة للأوربانيست، وذلك دون أي مقابل حتى.

وحتى والت ديزني الشهير، في ذروة تجليات سلطاته، لم يكن قادرا على التغلغل إلى هذا الحد في حياة سكان مدينته، كما هو الحال الآن مع زوكربيرغ، إذ سيمنح أكثر حقائق حياة سكان زي تاون اليومية حميمية إلى رب عملهم والمالك الجديد لسكنهم، من خلال استخدام الخدمة التي يعملون كل يوم على تطويرها وتعزيزها.

وسيكون من المثير للاهتمام أن نرى ما سيؤول إليه هذا الوضع، مقارنة بالحرم الجامعي القريب الذي يقوم بارك إينغلس وتوماس هيذرويك بتصميمه لحساب شركة غوغل التي تُعد شركة ذات نفوذ مماثل، إن لم يكن أوسع، في العالم الرقمي.

لكن، وفوق كل اعتبار آخر، علينا أن نتذكر أنه كان من المفترض أن تمهد الأماكن على غرار بورت سانلايت وبورنفيل لبناء مجتمع جديد ينتشر عبر كامل الكرة الأرضية.

هل من الممكن أن تنجح مدينة صممها رجل واحد في توفير حياة جيدة لسكانها

وهو ما كان مخططا فعليا بالنسبة إلى ماغنيتوغورسك. كل تمديد خطي لتصميم المدينة كان مُفتعلا لخلق نقلة شاملة في مشهد سهول سيبيريا الغربية، بنية تحتية مهيبة أُنشئت خصيصا لتحتضن مفهوما سوفيتيا خاصا للحضارة.

وفي هذا الشأن، قليل منا يذكر اليوم أن مغامرة ديزني السابقة في بنائه المدينة كانت “إبكوت” منتزه ديزني للتسلية والألعاب في ولاية فلوريدا، ولم يكن القصد منه مجرد بناء مدينة خاصة، بل خلق وصفة قابلة للتكرار. باختصار، كان ذلك “النموذج التجريبي من مجتمع الغد”، بمعنى أن كل مدينة قامت ببنائها هذه الشركة كانت في حوار متواصل مع المجتمع الذي يحويها.

لكن من الواضح أن زي تاون على عكس ذلك تماما، فالجانب الأكثر إثارة للقلق في هذا المشروع هو أنه يعكس تواصل انسحاب صناعة التكنولوجيا الفائقة من المجال العام.

وعلى أرض الواقع،في سان فرانسيسكو، لا يعتبر سكان منطقة ذلك الخليج أنهم مُلزمون بالولاء نحو ماض مشترك، ولا يبدو أنهم يتطلعون إلى مصير مشترك.

حاول الوقوف لمهلة في موقف الباصات الخاص بالعاملين في غوغل أو أبل أو تمشى أمام متاجر المنطقة الأرستقراطية بسان فرانسيسكو، سيمكنك الشعور بنخبة التكنولوجيا الفائقة وهي تنسحب بشكل ملموس من بقية المجتمع، تاركة وراءها المجال المكاني المشترك. لطالما كان الفصل الواعي الذي تمارسه هذه الصناعة مصدرا رئيسيا للتوتر، وموضوعا لا مفر منه للمناقشة والحوار، في منطقة الخليج على الأقل، وذلك منذ الأزمة المالية في 2008.

على الأقل، تشير مخططات إنغلز وهارتويك، لحساب غوغل، إلى واقع هذا الجدل، من خلال الشعارات الجوفاء بشأن فكرة أن أي مؤسسة قد استفادت حقا من سلوكيات لا وعي الجمهور العريض يجب أن تعود ببعض المنفعة على ذلك الجمهور.

لذلك، أنشئت الحديقة الخاصة التي صمماها بشكل يسمح لسكان كاليفورنيا العاديين باجتيازها والتنزه فيها بكل حرية.

وعلى نقيض ذلك، نرى زي تاون وقد صممت بمنأى تام عن بقية العالم، في تجاهل كلي لواقع الضرورة الفعلية للمشاركة في المجتمع المعقد والشامل الذي يحتضنها.

وقد اعترف مدير ملكيات فيسبوك، جون تينانز، بأن “الأشياء العشوائية يمكن أن تحدث في زي تاون، مثل أي مدينة أخرى”.

يخبرنا التاريخ أن الحكمة الوحيدة التي يمكن استخلاصها من تصميم مدينة خاصة بشركة معينة هي الاعتراف من البداية بما يجب أن يكون زوكربيرغ وموظفيه على دراية تامة به؛ إنه أمر معقد.

18