مشروع فاطمة المرنيسي النقدي

الجمعة 2016/01/22

تعرفت على المثقفة البارزة الراحلة فاطمة المرنيسي في مدينة لندن منذ ما ينيف عن عشرين سنة وذلك في ندوة فكرية نظمتها مكتبة الساقي وكان إلى جانبها في تلك المناسبة الثقافية المفكر الراحل محمد أركون. بعد تعمق الارتباط مع إنتاجها بدأت أكتشف فيها خصال الجدية والعمق، والشجاعة في طرح المشكلات التي تحول بين مجتمعاتنا وبين التقدم والانعتاق.

ومنذ ذلك الوقت وأنا أتفاعل بإعجاب مع مؤلفاتها وفي مقدمتها كتبها “الجنس كهنـدسـة اجتمـاعية”، و“الديمقــراطية والإسلام”، و“شهرزاد ليست مغربية”، و“سلطانات منسيات”. وفي الواقع فإن كتابات المرنيسي تمثل مشروعا فكريا نقديا متميزا ومؤسسا على إستراتيجية نقد التراث الفكري والثقافي والسياسي العربي الإسلامي وتداعياته وتأثيراته في حياتنا المعاصرة وهدفه إبراز عناصر التنوير في هذا التراث، وكذلك نقد أنساق التخلف البنيوي في الثقافة العربية الإسلامية بغية تحرير مجتمعاتنا منها وفي المقدمة تحرير المجتمع العربي من البنيات الثقافية، وتداعياتها السياسية التي يعاد إنتاجها في الممارسات المنتجة لمختلف أشكال القهر المادي والرمزي.

لكتابات المرنيسي أبعاد كثيرة ولكنني أركز هنا بسرعة على بعدين مهمين في مشروعها يتمثل الأول في وعي المرنيسي بمسألة مهمة وهي أن التراث ليس محايدا أو مجرد أرشيف منفصل عن الشروط والعوامل التي تنتج الذاتيات الفردية والجماعية أو واقع الدولة الذكورية المعاصرة في بلداننا بل نجدها تكشف من خلال قراءتها للنصوص التراثية وللأشكال وأنماط الثقافة السائدة راهنا أن هذا التراث هو صانعها ومحركها ومحدد هوياتها في الغالب. فهي في تحليلاتها تؤكد، مثلا، أن “بؤس العالم الإسلامي والعنف السياسي السائد فيه، يعود إلى أن الخلافة كرسالة إلهية خاصة بالإسلام، تحولت إلى ملك، أي إلى استبداد بدائي”.

ففي ظل هذا الاستبداد الذي يعاد إنتاجه في مجتمعاتنا الآن تقصى الحرية، ويصبح مفهومها “مرتبطا ارتباطا وثيقا بمفهوم الأرستقراطية، والنخبة، والفئة العليا” وليس بعامة الناس بما في ذلك النساء.

أما البعد الثاني في مشروع المرنيسي فيبدو واضحا في تصديها لظاهرة التمركز الذكوري الذي تحفل به كتابات أغلبية النقاد والمؤرخين والمحللين العرب المهيمنين على الدراسات التراثية، وعلى المشهد الأدبي، والعلمي، والفني، والاجتماعي، والسياسي، وحتى على التأريخ للمقاومة ضد الاستعمار القديم والحديث حيث يمعن هؤلاء في انتقاء أدوار الذكور والتمركز على أسمائهم وتثبيتها لوحدها في الذاكرة، وفي البرامج الدراسية، وفي المناسبات التاريخية، وبالتزامن يتمّ على أيديهم حذف وطمس أدوار ومساهمات النساء الفعلية والريادية في صنع التاريخ، وفي الإبداع الثقافي والفكري، والفني، وفي قيادة الثورات في التاريخ القديم والمعاصر معا.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15