مشروع قانون الاستخبارات الجديد يثير انقسامات في فرنسا

الثلاثاء 2015/05/05
الأمن والحرية المعادلة الصعبة في فرنسا

أثار قانون الاستخبارات الجديد الذي طرحته الحكومة الفرنسية وتدفع نحو تبنيه بدعوى مكافحة الإرهاب، جدلا حادا وانقسامات حتى داخل الأحزاب المدافعة عنه والرافضة له.

وينافش النواب الفرنسيون اليوم مشروع القانون، فيما هدّدت العديد من الشخصيات اليمينية واليسارية بالتوجه إلى المجلس الدستوري إذا أصرّ رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس على تمريره بصيغته الحالية.

ويعتقد الرافضون لمشروع القانون أنه ربما يطلق يد الاستخبارات والأمن للتضييق على الحريات العامة بدعوى مكافحة الإرهاب، لكن الحكومة الاشتراكية رفضت تلك الاتهامات وأكدّت أن مشروع القانون فرضته التحديات الأمنية التي تواجهها فرنسا وأن هناك ضمانات دستورية وقانونية تكفل الحريّات.

الحكومة الفرنسية اعتبرت أن الاعتداءات الإرهابية التي تعرضت لها باريس قبل الهجوم على مقر صحيفة شارلي إبدو وبعده، استدعت التحرك المسبق للتوقي من أي اعتداء إرهابي محتمل.

واستحضرت الحكومة مفردات خطر الإرهاب المتربص بفرنسا وحتمية الحرب الاستباقية، في محاولة لإثناء الرافضين لمشروع القانون المثير للجدل عن رفضهم. وأيد الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي (يمين) قانون فالس، لكن وزير الدفاع الأسبق في عهده هيرفيه موران عبّر عن رفضه لهذا المشروع، وأيدته مارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة، وجبهة اليسار والمدافعون عن البيئة ومجموعة من الجمعيات، منها منظمة العفو الدولية.

ومن المتوقع أن يصادق مجلس النواب الفرنسي على مشروع القانون، لكن بنسب أقل من المتوقع، في ظل انقسامات سياسية واحتجاجات شعبية رافضة لهذا القانون.

مانويل فالس: سياسي فرنسي من مواليد 1962 في برشلونة، يشغل منذ العام الماضي منصب رئيس وزراء فرنسا، وكان قبلها وزيرا للداخلية في حكومة جان مارك إيرو.

مانويل فالس: القانون الجديد لحماية المواطن والحريات مكفولة دستوريا

دافع رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس بشدّة على مشروع قانون الاستخبارات الجديد، معتبرا أنه سيعزز عمل أجهزة الأمن والاستخبارات في مواجهة أي اعتداءات إرهابية محتملة على بلاده قد تشنّها جماعات إسلامية متطرّفة.

وأكّد فالس أن مشروع القانون يهدف أساسا إلى تدبير الإمكانات المتاحة وإدارتها بما يتناسب وحجم التحديات الأمنية التي تواجهها فرنسا، دون المساس بالخصوصيات والحريات الفردية والعامة.

ويحاول فالس، منذ أن طرح مشروع القانون تطمين الرافضين له، ويسعى لتبديد المخاوف القائمة من أن يكون هذا القانون مدخلا للتضييق على الحرّيات العامة والفردية تحت مسمى مكافحة الإرهاب.

ويقول رئيس الوزراء الفرنسي “إن التهديد الإرهابي في أعلى مستوياته، وليس هناك بلد أو مجتمع في منأى عنه”.

ويسمح القانون الجديد بتزويد أجهزة الاستخبارات الفرنسية الستة بوسائل إضافية تتلاءم مع التكنولوجيات الجديدة، وقادرة على التسلل ومراقبة المتشدّدين المحتملين دون المرور بالقضاء، في خطوة تعتبرها الحكومة الفرنسية تقليصا للإجراءات القضائية التي قد تستغرق وقتا، ما قد يمنح الإرهابيين متسعا من الوقت لتنفيذ اعتداءاتهم أو الإفلات.

وردّ فالس على المدافعين عن حقوق الإنسان الذين عبروا عن مخاوفهم من أن يشكل القانون انتهاكا للحريات الفردية، بالقول “الأمر لا يتعلق بـباتريوت آكت على الطريقة الفرنسية” في إشارة إلى قوانين مكافحة الإرهاب الأميركية التي دفعت إدارة الرئيس بوش الابن وقتها إلى تبنيها بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001.

وقال “فرنسا تخوض الحرب على الإرهاب دائما بقوة القانون”، مضيفا أن القانون الجديد سيكون أيضا حاميا للمواطنين، لأن حدود ما يمكن فعله في دولة القانون سيكون بالغ الوضوح ولن تعود هناك منطقة رمادية.

واستبعد فالس أن تكون عملية المراقبة – وفق القانون الجديد – جماعية، لكنه أكد في المقابل ضرورة مراقبة ما سمّاه الأوساط الإسلامية المتشددة في فرنسا “بشكل وثيق”.

نخوض الحرب على الإرهاب بقوة القانون، وقانون الاستخبارات سيحمي المواطنين لأن حدود ما يمكن فعله سيكون بالغ الوضوح

نخوض الحرب على الإرهاب بقوة القانون، وقانون الاستخبارات سيحمي المواطنين لأن حدود ما يمكن فعله سيكون بالغ الوضوح

وأوضح أن “هناك 1900 فرد في فرنسا لديهم صلات بالشبكات الإرهابية الجهادية بينهم 1450 في سوريا والعراق”، وفق تعبيره.

وأيدت شخصيات سياسية من اليمين واليسار مشروع فالس، وقال نيكولا ساركوزي الرئيس الفرنسي السابق وزعيم حزب “الجمهوريون” (الاتحاد من أجل حركة شعبية سابقا) إن حزبه على استعداد للتصويت، لصالح قانون الاستخبارات الجديد، لكن بشرط ألا يخضع للتغيير في إطار النقاش البرلماني.

ولا يعكس موقف ساركوزي دعما كاملا من الحزب اليميني لمشروع فالس، حيث تعالت بعض الأصوات من داخل اليمين معبرة عن رفضها لهذا المشروع، محذّرة من أنه قد يكون مقدمة لانتهاك حقوق الإنسان والحريات العامة والفردية.

ومن المتوقع أن يصوت نواب جبهة اليسار والأوروبيون أنصار البيئة والخضر ضد مشروع القانون أو أنهم قد يمتنعون عن التصويت. وفي الكتلة الاشتراكية التي تدعم الحكومة، كانت السجالات حادّة، وازدادت حدّة حين اقترحت الحكومة الاشتراكية منح عناصر في إدارة السجون إمكانية استخدام هذه التقنيات الاستخباراتية في مراكز الاعتقال.

ويقول فالس، إن كل تلك الإمكانات المتاحة والتي ستخصص للرقابة، ستخضع للإشراف من قبل سلطة إدارية مستقلة، وسيتم استحداثها تحت اسم اللجنة الوطنية لمراقبة تقنيات الاستخبارات، وستضم تسعة أشخاص، أربعة من السلك القضائي، وأربعة برلمانيين، ومتخصصا في الاتصالات الإلكترونية. لكن تطمينات رئيس الوزراء الفرنسي، لم تبدّد مخاوف المعارضين لمشروع القانون وهواجس المنظمات الحقوقية التي تخشى أن يكون إطارا لتشريع انتهاك الحريّات.

هيرفيه موران: سياسي فرنسي من مواليد 1961، نائب سابق عن دائرة 3 لإقليم أور من 1998 حتى 2007، وهو أيضا مؤسس ورئيس مركز جديد منذ عام 2008.

هيرفيه موران: قانون فالس بصيغته الحالية يهدد الحريات الفردية

لم يكن موقف وزير الدفاع الفرنسي الأسبق هيرفيه موران، استثناء في خضم الجدل الدائر حول قانون الاستخبارات الجديد، لكنه شكّل تغريدا بارزا خارج سرب اليمين الداعم لمشروع فالس.

ويمثل هيرفيه الشقّ الأوسع الرافض لقانون فالس، مدعوما بمخاوف أطلقتها مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف – وهي مفارقة تطرح أكثر من نقطة استفهام مع موجة التخويف التي تقودها ضدّ المسلمين والمهاجرين في فرنسا – ومدعوما من كتلة اليسار والمدافعين عن البيئة ونظرائهم من المدافعين عن حقوق الإنسان.

وحذّر موران، من إنشاء شبكات واسعة لجمع كمية لا متناهية من المعلومات، قد تخرج عن السيطرة وقد تهدد قيم الجمهورية وتؤسس لدولة بوليسية معممة، وهو الموقف الذي تبنته مارين لوبان أيضا.

ووجه هذا الشقّ سيلا من الانتقادات لمشروع فالس، فيما تتركز المخاوف حول نقطة محددة هي وضع أدوات تحليل آلي على شبكات شركات الإنترنت لكشف مواصفات أشخاص يمكن أن يمثلوا “تهديدا أرهابيا” من خلال سلسلة مشبوهة من بيانات الاتصال بالشبكة.

ويرى منتقدو هذه الآلية المعروفة باسم “الصندوق الأسود”، أنها بداية لعمليات مراقبة على نطاق واسع، ما يهدد مبدأ الخصوصية.

ويخشى هؤلاء من الصلاحيات المفرطة التي سيمنحها القانون الجديد لأجهزة الاستخبارات، وفروعها الأمنية، مشيرين إلى أنها قد تطلق يد تلك الأجهزة لتعبث بالحريات الفردية والعامة بحجة مكافحة الإرهاب، على غرار ما حدث من انتهاكات في الولايات المتحدة وخارجها في إطار الحرب التي أطلقتها تحت مسمى مكافحة الإرهاب بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001.

وتعزز هذه الهواجس أيضا مخاوف اللجنة الوطنية للمعلوماتية والحريات والهيئة الإدارية المستقلة.

وهددت شخصيات سياسية يمينية ويسارية بالتوجه إلى المجلس الدستوري، إذا أصر رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس على تمرير مشروع قانون الاستخبارات بصيغته الحالية.

واستبق الرئيس الفرنسي (الاشتراكي) هذه الخطوة بأن أعلن أن هذا الملف سيرفع لاحقا إلى المجلس الدستوري للحصول على ضمانات بأن مشروع القانون الذي تمت صياغته بعد الاعتداءات الإرهابية في باريس في يناير الماضي مطابق للدستور.

ولم تبدد مبادرة هولاند – التي وصفت بأنها محاولة لاحتواء الشقّ الرافض لقانون فالس – المخاوف من انحراف القانون محلّ السجال والانقسام السياسي.

إنشاء شبكات واسعة لجمع كمية لا متناهية من المعلومات، قد تخرج عن السيطرة وقد تهدد قيم الجمهورية وتؤسس لدولة بوليسية

إنشاء شبكات واسعة لجمع كمية لا متناهية من المعلومات، قد تخرج عن السيطرة وقد تهدد قيم الجمهورية وتؤسس لدولة بوليسية

واعتبروا أن مبادرة هولاند غير كافية لمنح توظيف قانون الاستخبارات الجديد، للتضييق على الحريّات. وقالوا إن القانون بصيغته الحالية يفرض “أساليب مراقبة تنتهك الخصوصية”.

ويرى هؤلاء أن الحكومة الاشتراكية جعلت من التهديد الإرهابي حجة لدعم نصها، مشيرين إلى أن رئيس الوزراء مانويل فالس، قال إن مشروع القانون سيؤمن لأجهزة الاستخبارات وسائل أكبر للقيام بعدة عمليات مراقبة لحماية المواطنين.

ويسعى المشروع إلى أن تتيح تلك الآليات أيضا إجراء عمليات رصد لمحتويات البريد الإلكتروني والمحادثات الهاتفية بالنسبة فقط إلى الأشخاص المرتبطين بشكل مباشر بتحقيقات جارية.

وأوضحوا أن مشروع القانون بصيغته الحالية، ينص على اعتماد تكنولوجيات جديدة تتيح لعناصر الاستخبارات وضع ميكروفونات ومؤشرات لاسلكية وكاميرات في أي مكان يرونه ضروريا.

وقالوا إنه يتيح لهم أيضا استخدام برمجيات تجسس تتولى دون علم المستخدم تسجيل كل ما يطبع من خلال لوحة مفاتيح حاسوبه. ويسمح مشروع القانون، إضافة إلى ذلك، بـ”استخدام أجهزة متحركة عن قرب” أي أجهزة تتيح اعتراض اتصالات في دائرة معينة. واعتبروا أن ذلك يتيح وبشكل واسع انتهاك الخصوصية، وأنه لا توجد ضمانات فعلية لحماية الحريّات الفردية والعامة، ما يؤشر على دخول فرنسا مرحلة جديدة قد تنتهك فيها أهم المبادئ التي قامت عليها الجمهورية.

تحذيرات من تحول فرنسا الى دولة بوليسية

باريس – اعتبر توما غونول اخصائي علم السياسة الفرنسي، أن مشروع قانون الاستخبارات الجديد الذي تستعد الجمعية الوطنية (البرلمان) للتصويت عليه، سيجعل الشرطة الفرنسية تتمتع بقوّة لا يمكن الوقوف بوجهها، على حدّ تعبيره.

وأشار الى أنه يمنح سلطات واسعة للاستخبارات، بينما تتزايد المخاوف في الأوساط الفرنسية من أن تتحول فرنسا إلى “دولة بوليسية رقمية”، بحجة محاربة الارهاب.

ويعتقد اخصائي علم السياسة الفرنسي، أن قانون الاستخبارات الجديد “نتاج أنشطة اللوبي البوليسي في فرنسا”، محذرا من أن بلاده تواجه خطر التحول إلى “دولة بوليسية رقمية”، على اعتبار أن القانون الجديد الذي تناقشه اليوم الجمعية الوطنية ومن المتوقع المصادقة عليه، يسمح باستخدام برمجيات تجسس على المستخدم وتسجيل كل ما يطبع من خلال لوحة مفاتيح حاسوبه، اضافة الى إتاحة اعتراض الاتصالات.

تطمينات الحكومة الفرنسية لم تبدد المخاوف من أن تؤدي الصلاحيات الواسعة إلى اطلاق يد أجهزة الاستخبارات

وتخشى أوساط فرنسية من أن يكون مشروع القانون الجديد، مدخلا لانتهاك الخصوصية، غير أن الحكومة الفرنسية تنفي ذلك، مؤكدة وجود ضمانات دستورية وقانونية لحماية الخصوصية والحريات العامة.

لكنّ توما غونول، اعتبر أن تطمينات الحكومة الفرنسية لا تبدد المخاوف من أن تؤدي الصلاحيات الواسعة التي ستمنح بموجب القانون الجديد لأجهزة الاستخبارات وللأجهزة الأمنية، الى اطلاق يد هذه الأجهزة التي ربما تتحول الى “قوة لا يمكن الوقوف بوجهها”.

وقال غونول “مشروع القانون أعد من وجهة نظر الاستخبارات قبل الهجمات الإرهابية، التي شهدتها البلاد في يناير الماضي.

واتهم المخابرات الفرنسية بأنها “تستغل الهجمات الإرهابية من أجل فرض أفكارها” وفق تقديره. وأشار اخصائي علم السياسة الفرنسي، الى أن الفرنسيين من كافة التيارات السياسية والشرائح المهنية عبروا عن معارضتهم لمشروع القانون، معتبرا أن تنوع ردود الأفعال أمر كاف من أجل دفع الحكومة لإعادة التفكير في المشروع.

وأعرب عن خشيته من أن يؤدي القانون الذي يرجحّ أن تصادق عليه الجمعية العامة، الى إلغاء المتابعات القضائية، المتعلقة بانتهاك الحريات. كما حذّر من أن اللجنة، التي ستؤسس وتكون مسؤولة عن مراقبة الأنشطة الاستخباراتية، ستكون مهمتها إبداء الرأي فقط، وبالتالي ستكون اللجنة بلا سلطة تضمن عدم انحراف عمليات المراقبة وانتهاكها للحريات الفردية.

وتقول الحكومة الفرنسية، إن مشروع قانون الاستخبارات الجديد، الذي أعلنه رئيس الوزراء مانويل فالس، ينص على زيادة تدابير الأمن بشأن الإنترنت من أجل الحيلولة دون وقوع اعتداءات إرهابية، وفي هذا الإطار سيتم تشغيل 2680 شخصا في العام الحالي.

ويتوجس المعارضون لمشروع القانون، من الصلاحيات المفرطة التي ستتمتع بها أجهزة الاستخبارات، لكن الحكومة الفرنسية قالت أنه سيتم تعزيز الإمكانيات التكنولوجية حتى يستطيع جهاز الاستخبارات العمل بشكل استباقي وأكثر فاعلية في مواجهة التهديدات الارهابية.

وينظر عدد من المحللين إلى مشروع قانون الاستخبارات الجديد بعين الريبة، معتبرين أنه لا يخرج عن سياق ترتيبات لوبي أمني، وأنه يهدف لتعزيز فرض رقابة واسعة على الاتصالات وأنشطة مستخدمي الإنترنت.

12