مشروع قانون تجريم الأخبار الزائفة يحاصر الصحافيين في المغرب

يرفض الصحافيون المغاربة تكريس قانون جديد لتجريم نشر الأخبار الكاذبة، بينما تنصّ مدوّنة الصحافة والنشر على عقوبات واضحة ورادعة بهذا الخصوص، لا سيما أن الحكومة تجاهلت استشارة الأوساط الصحافية المعنية في دراسة تفاصيل القانون.
الخميس 2018/02/01
الصحافيون على أهبة الاستعداد

الرباط - أعربت نقابة الصحافيين المغاربة، عن رفضها التام لمشروع قانون تعدّه الحكومة لتجريم “نشر الأخبار الزائفة”، دون استشارة أي من الأطراف المعنية، وطالبت بوقفه “فورا” نظرا لـ”خطورته البالغة”.

وقال نقيب الصحافيين عبدالله البقالي، في تصريحات لـ”العرب”، “بالنسبة إلينا في النقابة سواء تعلّق الأمر بوجود مشروع قانون أو بالنيّة في إصداره فإننا نرفضه جملة وتفصيلا لاعتبارات كثيرة، أهمها أنّ قانون الصحافة والنشر الجديد تضمّن بنودا واضحة تنظم قضية ترويج الأخبار الزائفة وتنصّ على عقوبات زجرية مهمة جدا”.

وتؤكد مسودة مشروع القانون، على ضرورة الالتزام بأخلاقيات المهنة، والتصدي للشائعات والمعلومات التي يكون هدفها الرئيسي الابتزاز، وذلك لدعم ما جاء في مدوّنة الصحافة والنشر بقوانينها الثلاثة.

واستغربت النقابة في بيانها من أهداف وخلفيات المشروع، وقالت إن تشريع قانون جديد سيتسبب في ارتباك كبير ليس في الأوساط المهنية وفي المشهد الإعلامي الوطني فقط، بل وفي منطق قانون الصحافة الذي يمثّل المرجع الوحيد في تنظيم الممارسة الإعلامية في بلادنا.

وأوضح البقالي “لسنا ضد التصدّي للأخبار الزائفة ولسنا ضد تثمين الجوانب الأخلاقية في ممارسة مهنة الصحافة ولكننا ضد المبالغة في استحضار الهاجس الأمني في هذا الصدد والذي قد يفضي في مثل هذه الحالة إلى الفوضى والتسيّب في مجال التشريع”.

وشدّد أنه لا يجب أن نخفي أو ننكر أن هناك تجاوزات من قبل بعض الصحافيين في المجال الأخلاقي خصوصا في مواقع إلكترونية، إذ يوجد ممارسات مخلّة بأخلاق المهنة تستوجب التفكير في الحلول التي من شأنها التقليل من هذه الظاهرة المسيئة للجسم الصحافي المغربي ككل”.

ولفت إلى أنّ “هناك من يبتز باسم الصحافة وهناك من يعتدي وهناك من يستخدم سلطة الصحافة في إطار تصفية حسابات شخصية، ونحن في النقابة نتصدى إليه ونستنكره ونقوم بالإجراءات اللازمة في حق من يثبت أنه قام بهذه المخالفات”.

عبدالله البقالي: لا نعتقد وجود نية رسمية واضحة للتضييق على حرية الصحافة في المغرب

واعتبرت النقابة أن القول بأن دولا أخرى متقدمة في التجربة الإعلامية تحضّر لتشريع نفس القانون، يمثّل مغالطة حقيقية، لأن الوضع مختلف تماما، حيث أن الأمر لا يزال محط نقاش عام، وبمشاركة جميع الأطراف وخصوصا المهنيين، كما أن تلك الدول تحضّر لإخراج تشريع يجبر على الكشف عن هويات الأشخاص الذين يتسترون وراء أسماء مجهولة ومستعارة في فضاء شبكات التواصل الاجتماعي والذين يقودون حملات نشر كاذبة أو ما اصطلح عليه “Fake News”. وتأسّف رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، من توسيع مسودة القوانين لمتابعة الصحافيين في المدة الأخيرة، فقانون الصحافة والنشر واضح وينصّ في بنوده على المخالفات الصحافية المنصوص على عقوبتها ولا يحق معها الالتجاء إلى قوانين أخرى.

وأضاف البقالي “ومع ذلك هناك بعض الأوساط الحكومية تلجأ إلى إعمال قوانين أخرى في متابعة الصحافيين، وهناك تجاوزات أخرى من بعض المسؤولين تصبّ جميعها في اتجاه التضييق على حرية الصحافة”.

وتابع، “مع كامل الأسف هذه المحاولات تتم من قبل جهات حكومية رسمية ولكنها ليست إرادة الدولة بصفة عامة. وإصدار قانون جديد خاص بالأخبار الزائفة يندرج في نفس هذا الإطار الذي يوسّع القاعدة التشريعية لزجر قضايا الصحافة والنشر”.

وكان مصطفى الرميد، وزير الدولة المكلّف بحقوق الإنسان، قد وجّه الجمعة دعوةً إلى المسؤولين إلى رفع دعاوي قضائية ضد الصحافيين، وعدم التساهل مع ما ينشرونه إذا ما تبيّن لهم أنه غير صحيح.

وبرّر الرميد توجيهه بأن عددا كبيرا من الصحافيين نشروا مغالطات وأخبارا لا تصحّ، تستهدف مسؤولين إداريين وسياسيين وتطعن فيهم، واعتبر أن سكوتهم عليها يعدّ إقرارا بها واعترافا ضمنيا بصحتها، لذا يرى الرميد ضرورة اللجوء إلى القضاء.

ونظرا إلى الإصلاحات التي يقوم بها المغرب في توسيع هامش الحرية والحقوق على كافة المستويات، لا يعتقد البقالي بوجود نية رسمية واضحة للتضييق على حرية الصحافة.

وقال إن الإرادة المعبّر عنها في البلاد هي تنمية حرية الصحافة وتطويرها والحفاظ عليها ولا أعتقد أنها سياسة ممنهجة، فالمغرب يسعى إلى تجاوز مطبّات الماضي ومخلّفاته وإلى الانفتاح نحو المستقبل، ورغم أن هناك محاولات كثيرة تجرّ المغرب إلى الخلف وهذه المحاولات تضرّ ليس الصحافة فقط، وإنما بصورة المغرب في الخارج، وتوجهه نحو التطور والنموّ والازدهار.

وحول كيفية التمييز بين الأخبار الزائفة والحقيقية في ظل تضييق هوامش الوصول إلى المعلومة على الصحافيين، أكد البقالي، أنه لا يجب أن ننكر أن الفضاء العام لا يسمح بإنتاج معلومة صحيحة مئة بالمئة، إذ لا يوجد هناك قانون ينظم الحق في الحصول على المعلومة واستعمالها، موضحا أن المشروع المتداول في المؤسسة التشريعية في ما يخصّ الحق في الوصول للمعلومة متخلّف ولن يحقق الغرض منه.

وأشار في تصريحاته لـ”العرب”، أن غياب المعلومة يوسّع هامش الإشاعة وفضاءاتها، وبالتالي من الطبيعي بأن ينعكس هذا التوسيع على الإنتاج الإعلامي بالبلاد، وبالتالي تجد الإشاعة موقعا متقدّما لها في المجال الإعلامي، لذلك يجب على الإدارة العمومية والمؤسسات والمجتمع أن ينفتحوا على وسائل الإعلام في ما يتعلق بتوفير المعلومات الكافية لنشرها للرأي العام.

18