مشروع "كلمة" للترجمة يكشف لغز الماء في الأندلس

الجمعة 2015/04/10
الماء عند الأندلسيين أداء وظيفة جمالية بحتة

أبوظبي – سحر الأندلس البديع والحس الرهيف والماء الرقراق، كلها عناصر اجتمعت لتكوّن جوهر كتاب "لغز الماء في الأندلس" ومحوره. للمؤرخ شريف عبدالرّحمن جاه، والصادر عن مشروع “كلمة” للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، وقد قامت بترجمة الكتاب عن الإسبانية الباحثة المغربية زينب بنياية.

يعدّ كتاب “لغز الماء في الأندلس” بمثابة عرض تاريخي وموثق حول علاقة الإنسان بالماء في إطار المشهد الأندلسي الإسلامي، ويفرد المؤلف لهذا الموضوع تحليلا كافيا شافيا، بدءا بالأساطير اليونانية والإسهامات الرومانية، من بنى تحتية أساسية وآليات مبتكرة -شكّلت الإرث الذي انطلق منه المسلمون-، مرورا بالدور العربي في تطوير هذا الموروث الذي استغله هؤلاء بداية، ثم خصّوه بالتطوير والتحديث لاحقا، ليبرعوا في هذا المجال ويبدعوا فيه أيّما إبداع.

وإذا كانت المباني “دالّة على عظيم قدر بانيها” فإنما القناطر والسواقي، والرافعات المائية، والحمامات العربية، والآليات السحرية، والنوافير المبهرة الباذخة التي خلفها الأندلسيون دالة، أيضا، على عظيم شأن من بنوها. ومن المؤكد أن ذلك لم يكن ليتحقق دون الاستعمال الحصيف للماء ودون سياسة حكيمة في إدارته وتوزيعه.

ذلك أن الماء هو المحور الذي تبلورت حوله ثقافة انبثقت من رحم الإسلام، لتسطع طويلا في أفق التاريخ. وهي التي ثمّنت هذه القيمة بإنزالها منزلة خاصة، بوصفها هدية السماء التي جعل الله منها كل شيء حي، حتى غدت ثقافة الأندلس “ثقافة الماء” بامتياز.

ويؤدي الماء، في هذا الإطار كما يشير الكتاب، وظيفة دينية واجتماعية، ليس فقط بتحقيق طهارة البدن وإنما أيضا بتحقيق طهارة الروح. ويذكر القرآن الكريم الماء في ست وثلاثين مناسبة.

شريف عبدالرحمن جاه يثبت عبقرية الأندلسيين

ولهذا السبب، كان لا بد له من أن يتوفر في الجوامع والينابيع العمومية. فهو حق للجميع، ومن ثم ينبغي توزيعه بشكل متكافئ وعادل. ولذلك اجتهد السلاطين الأندلسيون في سعيهم إلى تحقيق هذا المطلب، بإنشاء شبكة معقدة للقنوات تقود الماء إلى أهم المرافق العمومية، كما لم يخل أي بيت أندلسي من “بير” أو جب. ولذلك، أيضا، أنشئت العديد من المؤسسات التي ظل بعضها قائما إلى اليوم، مثل “محكمة الماء ببلنسية”، و”مجلس الرجال الحكماء”.

وتجاوز استعمال الماء، مع تطور المجتمع الأندلسي، كما يرى المؤلف، هذه الوظائف الأساسية إلى أداء وظيفة جمالية بحتة، عكست حالة البذخ التي وصل إليها هذا المجتمع، وتنافس الأندلسيون في ما بينهم، لأجل تخليد أسمائهم من بعدهم، من خلال ما أنجزوه من أعمال أو شيدوه من قصور، يلعب فيها الماء وظيفة أساسية، ويسيطر فيها سيطرة طاغية، تجلت في نوافير لا تضاهى في جمالها، وأجهزة آلية متطورة وساعات مائية بديعة، كانت مصدر تسلية لهم وتباه بينهم. وقد كان وصف ابن خفاجة لأندلسه (وجنّـته أيضا) بليغا، إذ قال:

"يا أهل أندلس لله دركم/ ماء وظل وأنهار وأشجار

ما جنة الخلد إلا في دياركم/ ولو تخيّرت هذا كنت أختار".

ويتطرق الكتاب إلى براعة الأندلسيين أيضا في علم البستنة، إذ عرفت المدارس الزراعية الأندلسية تطورا لم يسبق له نظير، فقد جلب العرب معهم تقنيات جديدة وفنيات متطورة، وأشكالا زراعية مثلت “ثورة خضراء” حقيقية بالنسبة إلى تلك البيئة. وقد تركت بصمة عميقة، مازال أثرها جليا في أسماء الأماكن باللغة الإسبانية والمصطلحات المتعلقة بعلم المياه.

15